تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥٤

والانقياد والانضباط والعمل الخيِّر، الذي ينظر إلى مصلحة الأمَّة باعتبارها جماعة، لا باعتبارها أفرادًا.

إنَّ المرء عندما يقوم بدوره المنوط به، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، يتوجَّه بدوره هذا لبناء صالح المجتمع دفعا لكلِّ أنواع الفساد التي تتهدَّده، أكانت ماديَّة أم معنويَّة، وجلبا لكلِّ مظاهر الإصلاح التي تظلُّ كل المجتمعات في حاجة إليها باستمرار، لأنَّنا لا نتصوَّر مجتمعا ملائكياً أو مدينة فاضلة. ثمَّ إنَّ المرء باعتباره فرداً عندما يتمكَّن هذا الإحساس بالواجب في قلبه، يكون له بمثابة الحاجز له عن الشرِّ، والدافع إلى الخير، ولو ضمن كلُّ فرد في كلِّ المجتمعات الإسلامية هذا الإحساس من منطلقٍ دينيٍّ، لتكوَّن من مجموع هؤلاء الأفراد المجتمع الصالح، وبالتالي الأمَّة الخيِّرة، التي أشار إليها الله تعالى، في كتابه الكريم.

يقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - شارحًا هذا المبدأ الحضاري العظيم: «لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن لمنكر أو لَيُسلِّطَنَّ الله عليكُم شِرَارَكُم فيدعو خيارُكُم فلا يُستَجَاب لهم» ـ أو ما في معنى الحديث ـ، وقد يتساءل المتعجِّل، ولِمَ الحيفُ؟ لماذا يتحمَّل الخيِّرون مسؤولية الأشرار؟ ولماذا يعاقب الله الأخيار بما فعله الأشرار؟ والواقع لو تأمَّلنا بعمقٍٍ في هذا الجزاء لرأيناه جزاءً طبيعيًّا، لأنَّ هذا الخيِّر في المجتمع، لو لم يتخلَّ عن مسؤوليته ما استطاع الشرير أن يعيث في الأرض فسادًا، لأنَّه لا يمكنه رفع المسؤولية أن يقول: عليَّ بخُوَيْصَة نفسي، كما قال الشاعر الجاهلي:

وَمَا أَنَا إلاَّ مِنْ ”غُزِيَّة“ إِنْ غَوَتْ

غوَيتُ، وَإِنْ تَرْشُدْ ”غُزيَّةُ“ أَرْشُد

٥٣ / ٢٠٧