تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥٥

هذا المبدأ الجاهلي الذي يجعل من الفرد تابعًا للعشيرة ظلَّت أو اهتدت رشدَت أو غوَت، هو الذي حاربه الإسلام ووقف دونه التشريع القرآني، لأنَّه جاء ليبني أمَّة الخير لا أمَّة الشر. فالمقياس هو الخير حيث يكون، وليست الأغلبيَّة حيث تكون. ولأجل ذلك كان القرآن صريحًا في معالجة هذه النظرة الجاهليَّة حيث يقول: ﴿(((لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (المائدة: 100)، فليست العبرة إذا بما يفعله الناس، أو بما يقولونه باعتبارهم أغلبيَّة، بل العبرة بصواب ما يقولون، ونزاهة ما يعتقدون، وعدالة ما يفعلون، وتطابق كلِّ ذلك مع ما جاء به التشريع الربَّاني؛ ذلك هو المقياس الوحيد، ومن أجل ذلك ربط الله - سبحانه وتعالى - في الآية الكريمة حيث ذكر خيريَّة الأمَّة الإسلامية بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله؛ فالإيمان بالله وحده لا شريك له، أي إخلاص العبادة له دون سواه عقيدة وقولا وعملا، هو قمَّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محدودٌ بمفهوم الأمر؛ أي أن نأمر وننهى بصيغة مباشرة كلاَّ، قد يكون الأمر بالمعروف سلوكًا حسنًا، ومعاملةً طيِّبة، قدوةً راشدةً، أسلوبُ الأمر يختلف من مجتمع إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، تخضع لمؤثرات وموازين تختلف حسب المستويات الفكرية؛ فقد يكون الأمر بأسلوب الإيحاء مع بعض الناس أجدى من أسلوب النَّهر والقهر، وقد يكون العمل الصَّامت أبلغ تأثيرًا في نفوسهم من الكلام الكثير والموعظة الطنَّانة، وكذلك نستطيع القول في النهي عن المنكر الذي يحتاج إلى شعور بالمسؤولية، لا إلى تظاهر بالفوقيَّة أو الدونيَّة، ولعلَّ الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -

٥٤ / ٢٠٧