تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥٦

كان يقصد ذلك حيث يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفي رواية «ليس وراء ذلك حبَّة خردل من إيمان».

ويعجبني تفسيرُ بعض العلماء من أنَّ المقصود من هذا التقسيم هو تقسيم الأمانة والمسؤولية، فتغيير المنكر باليد، مقصودٌ به الحُكام، وتغييرُ المنكر باللِّسان مقصودٌ به العلماء، وتغييرُ المنكر بالقلب مقصودٌ به العامة، هو تقسيم نابعٌ من إحساس بأنَّ الشرائح الاجتماعية كلَّها مسؤولة، إذ المهمُّ في هذه القضيَّة هو أن لا يتخلَّى الإنسان المؤمن الصالح عن دوره بأعذار يغالط بها نفسه، وعليه قبل كلَّ شيء أن يؤمن بأنَّ إيمانه لا يكتمل دون القيام بهذا الواجب.

فالدافع الأول إلى القيام بهذه الرسالة العظيمة، رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الشعور بالمسؤولية التي أكَّدها القرآن الكريم، في قوله تعالى بإشعار الذين آمنوا، بأنَّ واجبهم في هذا المجال يبدأ من أنفسهم ثمَّ أهليهم، وهكذا تتَّسع الدوائر الاجتماعية حتى تشمل الأمَّة الإسلامية قاطبة: ﴿(((((((((((الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا (((((((((((﴾ (التحريم: 06).

هذا عن المجتمع الأُسري، فكيف ربط بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجتمع الأمَّة الإسلامية؟ قال مُقسِمًا: {(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا

٥٥ / ٢٠٧