تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥٧

بِالصَّبْرِ (((} (العصر)، إلاَّ توحي هذه الآية الكريمة، بأنَّ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو أساسُ بناءِ الحضارة الإنسانيَّة قاطبة، حيث قال: ﴿(((((((((((((1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي (((((( .. ﴾ (العصر)، هكذا استخدم كلمة ﴿(((((((((﴾ بمفهومه المطلق العام الشامل، ولا يستثني منه إلاَّ المؤمن الذي عمل الصالحات، وأدَّى دوره المنوط به أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وقد عبَّرت عنه الآية ﴿ .. (((((((((((((بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا (((((((((((﴾، والتواصي بالصبر، والتواصي بالحق، هما قمَّة الأمر بالمعروف، لأنَّ الاتصاف بهاتين الصفتين تضمنان للمجتمع التماسك والتضامن والتكافل، فعندما يصبر كلُّّ فرد في المجتمع على ما يحبُّ ويكره، ينأى عن التعدي على غيره، وعندما يجعل كلُّ فرد في المجتمع الحقَّ، والحقَّ وحده، مبتغاه ورضاه، تظلِّل المجتمع كلَّه العدالة والأمن والطمأنينة، ولا نتصوَّر أمَّة تستطيع أن تبني حضارة إنسانية خالدة بغير هذين المقوِّمين.

فعندما يجعل المرء نشداه الحقِّ، له أو عليه هدفا، يؤدي ذلك إلى تعميم العدالة الاجتماعية، والتآخي، والمساواة، والحرية بين جميع أفراد المجتمع. وهكذا سبق القرآن الكريم إلى تلخيص مبدأ الحرية والإخاء والمساواة، الذي رفعته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر شعارًا، وعدَّه كثير من الناس من اختراعاتها وإبداعاتها، هذه المبادئ الاجتماعية المهمَّة، لخصها القرآن الكريم في كلمةٍ موجزة: ﴿الحق﴾، وماذا بعد الحق إلاَّ الضلال فأنَّى تصرفون.

أمَّا القيمة الثانية، فهي ﴿الصَّبْر﴾، إنَّ الصبر هو المقوِّم الأخلاقي المهمُّ، الذي لا يمكن لأيِّ إنسان مهما يكن مستواه العقلي والنفسي والروحي أن

٥٦ / ٢٠٧