تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٥٨

يعيش بدونه، لأنَّ الحياة من طبيعتها عدمُ الصفو، كما يقول الشاعر:

وَكُلُّ مَنْ عَاشَ لاَ بُدَّ أَنْ يَرَى

مِنَ العَيْشِ مَا يَصْفُو وَمَا يَتَكَدَّرُ

وقول آخر:

إِذَا أَنْتَ لَمْ تَشْرَبْ مِرَاراً عَلَى القَذَى

ظَمِئْتَ، وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُه

فإذا وطَّن الإنسان نفسه على الصبر، صبراً على ما يحبُّ، وصبرا على ما يكره، استطاع أن يحدث التوازن النفسي في حياته، وواجه به كلَّ مشاكله ومعضلاته، والصبر وحده، هو الذي يجعل الإنسان يقول بحقٍّ وصدق:

لاَ أَشْرَئِبُّ إِلَى مَا لَمْ يَفُتْ طَمَعًا

وَلاَ أَبِيتُ عَلَى مَا فَاتَ حَسْرَانا

وفي هذا قمَّة التعبير عن التوازن النفسي والرضى بالنصيب، وقلَّما يستطيع الإنسان أن يحقِّق لِذَاته هذه المشاعر، أي يقاوم الطمع الذي يشرئبُّ به إلى الوصول إلى ما لم يتحقَّق، والتحسُّر على ما فات ندمًا وحسرة. هل يستطيع أحد مهما أوتي من قوَّة العقل والنفس والروح أن يتغلَّب على الطمع والتحسُّر دون الصبر سلاحًا في الحياة؟

٥٧ / ٢٠٧