تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٦٢فالاهتداء إلى معرفة العقل وماهيته، تتمُّ كما نبَّهنا القرآن الكريم إلى ذلك، عن طريق إثارته حتىَّ ينتبه إلى نفسه، ويعي مكنونات ذاته بذاته. كأنَّما الله - سبحانه وتعالى - عندما أورد الصيغ الدَّالة على العقل أفعالا، يخبرنا، بأنَّ العقل لا يحقق ذاته إلاَّ فاعلا، فقد منحه الله لنا لنستخدمه في مجالات الحياة المختلفة، وقد حدَّد القرآن المنهج السليم، والصراط المستقيم الذي يسلكه العبد المؤمن بربِّه ليكون في مستوى الأمانة التي حمَّلها الله له شاكرا لله هذه النعمة العظيمة.
إنَّ دعوة القرآن الكريم الصريحة للنظر العقلي، لم تعادلها دعوة أخرى في أي كتاب، فالقرآنُ لا يذكر العقل ذكرًا مقتضبًا، بل يذكره مقصودًا مفصَّلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان ولا الفلسفات، فهو الكتاب الذي يتميز بخطاب العقل، لكلِّ ملكة من ملكاته، وكلِّ وظيفة عرفها له العقلاء والمتعقِّلون، وهنا نفهم لماذا وردت مشتقات العقل بالصيغة الفعليَّة وليست بالصيغة الاسمية، وذلك لدلالة مقصودة، وهي أنَّ صيغة العقل لابدَّ أن ترتبط بحدث وذات وزمن، وهذا ينبِّه إلى أنَّ النظر العقلي عمليَّة جادة حقيقية لها أبعادها ومدلولاتها التي لابدَّ أن ترتبط بواقع وبأشخاص محدَّدين، وهذا له أثر في الناحية العملية التي تؤثر على الإنسان ذاته في بناء حركة الحياة(1).
لقد جاء خطاب القرآن موجَّها للعقل، ونهج في ذلك منهجا أساسه وقوامه النظر العقلي والتدبُّر والتبصُّر وإعمال الفكر، ومن مستلزماته تركُ
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 87.