تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٦٣

الجمود والتقليد، وذمُّ الهوى واجتناب الظنِّ، وهي كلاًّ مناهج تناقض العقل السويِّ وتتباين مع المنهج الفكري السليم.

وليس في القرآن آية من آياته تخلو من إشارة دالة أو لمحة موحية للعقل الإنساني تدلُّه وترشده إلى العلم والمعرفة، والعلم والمعرفة نتيجة منطقيَّة لاستخدام العقل بل إنَّ العلم والمعرفة منعدمان حيث ينعدم النظر العقلي، ممَّا جعل كثيرًا من العلماء يعتبر النظر العقلي وأدلَّته التي أشار إليها القرآن الكريم؛ وجهًا من وجوه إعجازه.

والحق إنَّ القرآن الكريم نقطة تحوُّل حاسم، لا في تاريخ الدين والحضارة الدينيَّة فحسب، بل أيضا في تاريخ الفكر والعلم بالمعنى الديني والعلمي والفلسفي، وذلك لاحتواء القرآن على المبادئ والسَّنَن التي تمثِّل الضوابط والمنطلقات الإلهيَّة للعلوم والمعارف الإنسانيَّة، على النحو الذي يجعل الوحي مع الوجود مصدرًا ومنطلقًا للعقل الإنساني في هذه المعارف والعلوم.

وبما أنَّ الله - سبحانه وتعالى - لم يخلق الجنَّ والإنس إلاَّ للعبادة، فإنَّ العبادة الحقيقيَّة مبنيَّة على الإدراك العقلي أولاًً وقبل كلِّ شيء، ومن ثمَّ فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - وضع في القرآن منهجا عقلياً لتحقيق الإيمان الكامل، والإنسان مسؤول عندئذ عن استخدام وسائل الإدراك العقليَّة والحسيَّة، كما يقول تعالى: ﴿((((السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ (((((((((﴾ (الإسراء:36).

٦٢ / ٢٠٧