تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٦٨

البيِّنات: السماوات والأرض، اختلاف الليل والنهار، البواخر التي تجري في البحر، المطر النازل من السماء، حياة الأرض بالنبات بعد موتها، الرياحُ الآتية من جميع الجهات … ويغدو الفرق الدقيق بين الوضوح والغموض بالنسبة للإنسان صاحبِ العقل نفسه؛ إن هو تعنَّت؛ والتعنُّت في حدِّ ذاته لا يدلُّ على عقلٍ سليم، أو منهج مستقيم.

وقد يستنبط المثال القرآني في مخاطبته العقول، فينزل إلى المستوى الأدنى من عقول البشر قصد الإفهام والتوضيح، فيدخل في التفاصيل والجزئيات، وليس أدلّ على ذلك من قوله تبارك وتعالى: ﴿((((الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ((((﴾ (النحل).

إنَّ الآيات التي اختارها الله هنا في سورة النحل غير تلك الآيات المذكورة في سورة البقرة، هنالك الإجمال وهنا التفصيل، هنالك التعميم وهنا التقسيم؛ فإنَّ الله يخاطب كلَّ مستويات العقول، وأقرب ما يعيه العقل ما يراه صاحب العقل عيانًا في كلِّ وقت وحين، فأيُّ عربيٍّ تتخطَّى عينه الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، وهي مواردُ رزقِه؟ وأيُّ إنسانٍ لم يشاهد عظمة الليل وجلاله إذا يغشى، والنهار وجماله إذا يضحى؟ وكذا القول بالنسبة

٦٧ / ٢٠٧