تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧٠معانٍ مختلفة، منها النظرُ بالعين أي بالرؤية، وجاءت بمعنى الانتظار. والذي يهمُّنا هنا وله صلة بموضوعنا، هو النظر القائم على الفحص والتأمُّل والرؤية والتبصُّر بحقائق الوجود والخلق، كأن يقول - سبحانه وتعالى -: ﴿(((((((((((الْإِنْسَانُ إِلَى (((((((((((﴾ (عبس:24)، ﴿(((((((((((الْإِنْسَانُ مِمَّ ((((((﴾ (الطارق:5)، ودعا إلى التبصُّر في مائة وثمان وأربعين آية، مثل قوله: ﴿((((((أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا (((((((((((﴾ (الذاريات:21).
ودعوة القرآن الكريم إلى النظر والتبصُّر في مظاهر الحياة والكون والناس ليست بمعنى المشاهدة البصريَّة، كما لا يخفى، فقيمةُ البصر في القرآن بقدر ما يؤدِّي إلى البصيرة العقليَّة، لذلك ينفي الله - سبحانه وتعالى - النظر الصحيح عن الذي لا ينتفعون بحواسِّهم انتفاع تدبُّر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿((((((قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ ((((((﴾ (الأعراف:179).
وكأنَّهم حين عطَّلوا وظيفة التفكير التي هي غاية الحواس المدركة عطَّلوا بذلك الحواس نفسها لأنَّها لم تعد تؤدِّي وظيفتها الحقيقية. والتفكير صفة مُدح بها المؤمنون الذين تغلغل الإيمان في قلوبهم وعقولهم، فلم يكتفوا بما يتلقَّونه من تعاليم أو بما يمارسونه من عبادة، وإنَّما غدا الإيمان والعبادة عندهم إلى جانب ذلك، رفرفاتٍ روحانيَّةً في عالم الملكوت، يعرفون بها عظمة الخالق وجلالَهُ، وقد شهد الله لهؤلاء بأنَّهم وُهبوا ألبابًا مفكِّرة فيما يعود عليهم بالفوز بالجنَّة، حيث يقول - سبحانه وتعالى -: {((((فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ