تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧٤العقل الذي يوصله إلى التبصُّر والتدبُّر والاتعاظ، ﴿((((دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (((((﴾ (الصافات).
ومن مظاهر اهتمام القرآن الكريم بالنظر العقلي، اهتمامُه الشديد بثمرة هذا النظر، وهو العلمُ والمعرفة. وقد تجلَّت هذه الدعوة في مادة العلم ومشتقاته التي ذكرت في القرآن الكريم أكثرَ من تسعمائة مرَّة، يكفي دلالة على جلال العلم، أنَّ أوَّل آية نزل بها جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم - هي قوله تبارك تعالى: ﴿((((((((بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (((﴾ (العلق)، فكان هذا إيذانا بإعلاء شأن العلم، وارتباط ذلك بالدين والإيمان.
ثمَّ إنَّ الله - سبحانه وتعالى - في محكم آياته حين أظهر للملائكة أنَّ آدم قد سبقهم علما ومعرفة، أمرهم الله تعالى أن يسجدوا لآدم سجود تكريم وولاء، وسجود من لا يعلم لمن يعلم. فهذا السجود وإن كان لآدم فهو في الوقت نفسه للعلم وفضله(1). وليس أدلَّ على ذلك من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الملائكة لتضَعُ أجنحتَهَا لطالب العلم رضًا بما يَصنَع، وإنَّ العالِمَ ليستَغفِرُ له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتىَّ الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابِد كفضل القمر على سائر الكواكب»(2).
(1) 1 – فاطمة إسماعيل، القرآن والنظر العقلي، ص: 70.
(2) 2 – رواه أحمد، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم ..