تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٧٨

الإعجاز البياني في القرآن الكريم

لقد كرَّم الله الدينَ الإسلاميَّ الخاتم السماوي لكلِّ الديانات بالقرآن الكريم، هذه المعجزة الخالدة، هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من رحمة الله بعباده المسلمين أن يختار لهم هذه المعجزة لدينهم الذي يحمل في ذاته المعجزة الخالدة فيكون خالدًا بخلودها، لتكون شاهدًا على قدسيته يتلمَّسها ويتقرَّاها ويتعرَّف عليها كلُّ مسلم في كلِّ زمان ومكان، منذ نزول الوحي على الرسول الكريم في غار حراء، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبهذا التكريم تميَّزت رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المعجزات التي صاحبت النبوات السابقة، بديمومتها واستمراريتها، فإنَّ معجزة موسى - عليه السلام -، وهي العصا التي أبطلت سحر السحرة وشقَّت له طريق البحر يَبَسًا، هذه المعجزة لا يؤمن بها إلاَّ من رآها. وكذلك معجزة عيسى - عليه السلام -، الذي أحيا الأموات وأشفى الأكمه والأبرص، هي أخرى معجزات آنية، لم يرها سوى من كتب له معايشتها، فهي معجزات آنيةٌ تعتمد على المشاهدة والحضور، وتأثيرُها فيمن لم يُكتب له حضورها أقلُّ ولا شك، ولله في ذلك حكمةٌ بالغةٌ، هذه الحكمة لم تتجلَّ إلاَّ فيما خصَّ بها الرسالة الخاتمة لكلِّ الديانات رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ معجزة الرسول الكريم التي هي القرآن الكريم، حيَّة خالدة متجدِّدة، عجائِبُها لا تنقضي، وإعجازُها لا ينمحي، كلُّ من قرأ القرآن وآمن به يتملاَّه، وكلُّ من دارسه وتمعَّن فيه، فكلُّ نبيٍّ سبق كان يأتي برسالة لقوم بأعيانهم، وتنتهي بما يأتي بعدها من الرسالات، ولم يكن من الممكن أن تكون

٧٧ / ٢٠٧