تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٧٩معجزةُ خاتم الأنبياء أمرًا حسِّيًّا يراه جماعة حين تقع، فإذا لحق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى انتهى ذلك الأثرُ المحسوسُ ولا يراه أحد من بعده، لأنَّ الأمور المحسوسة لا تتَّفق مع نوع هذه الرسالة ولا مع خلودها(1).
وبما أنَّ الرسالة المحمديَّة أبديَّة خاتمة لكلِّ الرسالات السابقة كان لا بدَّ أن تكون معجزتها هي الأخرى خالدة، حتىَّ يؤمن بها كل من يؤمن بهذا الدين ولو انتقل صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - إلى ربِّه، ولا يتأتَّى أن تكون المعجزة التي يتَّسع تأثيرها في مجال الزمان والمكان معجزة مادية، تقرع الحسَّ وتستولي على النفوس، فلم تكن عصاه تنقلب حيَّة كعصا موسى، أو نارًا تصير بردًا وسلاما كالنار التي أُلقيَ فيها إبراهيم الخليل، أو ناقة تخرج من صخر أصمّ لها رغاء كناقة صالح، أو مريضًا يُشفى، أو ميتًا يحيى، أو أعمى يبصر، كما فعل عيسى - عليه السلام -، إنَّما كانت معجزةُ خاتم الأنبياء والمرسلين، تتعلَّق بالإنسان نفسه، هذا الإنسان المقصود بالذات بهذه الرسالة تخاطب عقله وقلبه، وتؤثر في نفسه وروحه ووجدانه، وتربط بينه بقدراته المحدودة وبين خالقه. ومن هنا كان القرآن معجزةً للناس جميعًا، ولذلك اختلف عن المعجزات المادية السابقة.
وقد جاء للدنيا بعدما اكتملت المدارك البشرية وارتقى الفكر الإنساني وتكامل النمو العقليُّ في مجموعها فكانت معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزةً تُدرك بالعقل لا بالحسِّ، وتؤثِّر في القلب والوجدان قبل أن تبهر المشاهد والأعيان، وتتعلَّق بكلِّ الأزمان وليست خاصَّة بمكان، واقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى - أن
(1) 1 - الصابوني، التبيان في علوم القرآن، ص: 90.