تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٠

تكون معجزة محمد - صلى الله عليه وسلم - من جنس ما اشتهر فيه العرب من النبوغ وهي الفصاحة والبيان، كما اقتضت أن تكون معجزة كلُّ رسول نابعة بما نبغ فيه القوم المرسَلَة إليهم الرسالة، تأثيرًا وتبليغًا وإعجازًا، فما هو الإعجاز البياني للقرآن الكريم؟

جاء في لسان العرب، العجزُ نقيضُ الحزم، ويقال أعجزني فلان: إذا عجزتُ عن طلبه أو إدراكه، وهي أيضًا: أن يتسبَّب العجز إلى غيره، قال تعالى: ﴿((((((((((أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي .. ﴾ (المائدة: 31)، وصار العجز في العرف، اسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدُّ القدرة، وتَسْمية المعجزةِ معجزةً: لأنَّ البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، لأنَّها أمرٌ خارق للعادة، خارجٌ عن حدود الأسباب المعروفة.

وإعجاز القرآن هنا معناه: إثبات عجز البشر.

ومعجزة القرآن الكريم تختلف عن سائر ما يسمِّيه اللغويون بالمعجزات، إنَّما ثبت كونه معجزًا عن طريق المدارك والاعتبار، وما تحلَّت عباراته من جمال أسلوب، وعميق معنى، وإذ أنَّه حين يستمع إليه إنسان تتحرَّك مشاعره شوقا ويهتزُّ قلبه خشيةً، وتمتلئ نفسه خشوعًا، ويعتصر فؤاده رجاءً، وقد قال الله في هذا الشأن: ﴿((((نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ (((((﴾ (الزمر: 23).

- - -

٧٩ / ٢٠٧