تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨١إنَّ من أبرز خصائص الإعجاز القرآني أنَّه أحسنُ الحديثِ، كما قرَّر الله - سبحانه وتعالى - ذلك، وإعجازُ الحديث الحسَنِ لا بدَّ أن يتَّصف بصفات تتعلَّق بالحديث نفسِه، أسلوبًا وصيغة، تعبيرًا، وتصويرًا وعبارات مختصرة، إعجاز يتمثَّل في شكله ومضمونه، وكلُّ من يحاول أن يفهم الإعجاز القرآني على أنَّه مضامين ومعاني منفصلة عن لغته العربية المعجزة، يعطِّل أهمَّ صفة من صفات الإعجاز القرآني. إنَّ أولئك الذين يدعون إلى ترجمة القرآن من اللغة العربية إلى لغات أخرى، تسهيلاً للذين لا يحسنون اللغة العربية ـ ويدَّعون أنَّ ذلك لا يُنقص من خصائص القرآن شيئًا ـ يتجنَّون على القرآن، وينحرفون عن مقصده الأسمى، ويتجاهلون نصوصا قطعيَّة في القرآن نفسه، لا بأس أن نترجم معانيه لكي نيسِّر به الفهم لهؤلاء الذين لا يفهمون اللغة العربية، ولكن جمال القرآن لا يكمُل، ومعجزته لا تكمُن، إلاَّ في لغته التي نزل بها، مصداقا لما وصفه الله - سبحانه وتعالى - في آيات عديدة، وذكر من أهمِّ خصائصه اللغة العربية المبيِّنة، كأن يقول: {(((
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (((} (فصلت).
إنَّ كلَّ تلك الآيات تدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ أسلوب القرآن من أهمِّ خصائص الإعجاز فيه، وكلُّ الأحداث التاريخية التي صاحبت نزوله تدلُّ