تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٢

على ذلك بأقوى حجَّة، وأصدق دليل، رُوي أنَّه لمَّا نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - سورة غافر قرأها النبي في المسجد فسمعها الوليد بن المغيرة، ثمَّ أتى إلى مجلس بني مخزوم فقال: «والله لقد سمعت من محمدٍ كلاماً آنفًا، ما هو من كلام إنسٍ ولا من كلام الجنِّ، إنَّ أسفَلَهُ لمُغدِق وإنَّ أعلاه لمثمر وإنَّ له لحلاوة وإنَّ عليه لطلاوة وإنَّه يعلُو ولا يُعلى عليه .. » ثم انصرف.

يقول ذلك، وهو من صناديد قريش وكبرائهم، وأعتى من كره الإسلام وكادَ له، فقالت قريش: «لقد صَبِئَ الوليدُ، والله لئن صبئ الوليد لتصبَأَنَّ قريش كلُّها».

وفي صحيح مسلم: «إنَّ أنيسا الغفاري [أخا أبي ذرِّ] قال لأبي ذرٍّ: لقيتُ رجلاً بمكَّة على دينك يزعم أنَّ الله أرسله، قلتُ: فما يقول الناس، قال: يقولون إنَّه شاعرٌ وساحرٌ وكاهن، [وكان أنيس أحد الشعراء] قال أنيس: لقد سمعتُ قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشعر [أي على أنواع الشعر] فلم يلتئم على لسان أحد، فهو ليس بشعرٍ والله إنَّهم لكاذبون وإنَّه لصادق».

ورُوي أنَّ أبا جهل قال في ملأٍ من قريش: «لقد التبس علينا أمرُ محمَّد فلو التمستُم لنا رجلاً عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلَّمَه، ثمَّ أتانا ببيان عن أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعتُ الشعر والكهانة والسحر، وعلمتُ من ذلك علمًا وما يخفى عليَّ، فأتاه وقال: أنت يا محمَّد خيرٌ أم هاشم؟ أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ أنت خيرٌ أم عبد الله؟ فلم تَشتُم آلهتنا وتُضلِّلنا؟ فإن كنتَ تريد الرياسة عقدنا لك اللواءَ فكنت رئيسنَا، وإن تكُ بك الباءة زوَّجناك عشر نسوة من أيِّ بنات قريش شئتَ، وإن كان بك المالُ جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به .. ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ساكتٌ، فلمَّا فرغ قال:

٨١ / ٢٠٧