تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٣﴿(((حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (((﴾ (فصلت)، فأمسَك عتبةُ على فيه وناشده بالرَّحِمِ، ورجع إلى أهله، ولم يخرُج إلى قريش. فلمَّا احتبس عنهم، قالوا: ما نرى عتبة إلاَّ قد صَبِئَ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة ما حَبَسَكَ عنَّا؟ ألأنَّك قد صَبِئْتَ؟ فغضب، وأقسم أن لا يكلِّم محمدًا أبدًا، ثمَّ قال: والله لقد كلَّمته فأجابني بشيءٍ، والله ما هو بشعرٍ ولا كهانة ولا سحر … الخ.»
الذي يهمُّنا من هذه الروايات، هو اتفاقُ كبار قريش: الوليد بن المغيرة، وأنيس الغفاري، وأبو جهل، وعتبة، على انبهارهم بالقرآن وفصاحته وبلاغته، وقوة تأثيره فيهم(1)، إنَّ تصريحهم يدلُّ على أنَّهم انبهروا وأخُذوا بأسلوب القرآن قبل أن يتعمَّقوا معانيه، لأنَّ المعاني التي يدعو إليها ينكرونها إنكارًا منذ البداية، ومن أجل ذلك وصفوه بأنَّه شعر أو سحر أو سجع كهَّان، وكلُّها صفات تعبِّر عن انبهارهم بنسقه وأسلوبه وتعبيره.
ولنا أن نتساءل كيف استحوذ القرآن على العرب هذا الاستحواذ؟ كيف اجتمع على الإقرار بسحره وتأثيره الكافرون والمؤمنون سواء.
على الرغم من اختلاف الباحثين في هذا المجال، فبعضهم يردُّ ذلك إلى تشريعه الدقيق الصالح لكلِّ زمان ومكان، وبعضهم يردُّه إلى إخبار الغيب، وبعضهم إلى ما فيه من إعجاز علميٍّ وآيات كونية باهرة، ونحن نذهب في
(1) - وهم من هم في مكانتهم من الفصاحة والبلاغة والقدرة على التحكم بجميع أجناس القول التي يعرفها العرب آنذاك.