تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٨٤

ذلك إلى ما ذهب إليه الشهيد ”سيد قطب“: في أنَّ هذه التعليلات تثبت المزيَّة للقرآن مكتملاً، فما القول في السُّور القلائل التي لا تشريع فيها ولا غيب ولا علوم ولا تجمع بطبيعة الأحوال كل المزايا المتفرِّقة في القرآن؟

إنَّ هذه السُّور القلائل هي التي سُحر بها العرب منذ اللحظة الأولى، في وقت لم يكن للتشريع المحكم ولا الأغراض الكبرى هي التي تسترعي إحساسهم وتستحقُّ منهم الإعجاب. إنَّ من المعلوم أنَّ السُّوَر المشتملة على ذلك، هي السُّور المدنيَّة، وهي التي نزلت بالمدينة المنوَّرة بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليها، وقد سُبقت السُّور المدنيَّة بسُور مكيَّة أغلبها من القِصار المفصَّل.

لذا يجب أن نبحث عن منبع السحر في القرآن قبل التشريع المحكم، وقبل النبوَّة الغيبيَّة، وقبل العلوم الكونيَّة وقبل أن يصبح القرآن وحدة مكتملة تشمل هذا كلَّه، فقليل القرآن الذي نزل في أيَّام الدعوة الأولى كان مجرَّدًا من هذه العناصر التي جاءت فيما بعد، ولكنَّه كان مع ذلك محتوياً على هذا النبع الأصيل الذي تذوَّقه العرب، قالوا: ﴿(((((((إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ ((((((((﴾ (المدثر: 24).

والدليل على ذلك أنَّ قصة الوليد بن المغيرة إنَّما ذكرت في سورة ”المدَّثر“ وهي السورة الثالثة غالبًا في ترتيب النزول، ولم تسبق إلاَّ بسورة العلق والمزمِّل، إنَّ السحر الذي يتحدَّث عنه الوليد بن المغيرة كامنٌ في صميم النسق القرآني ذاته، لا في الموضوع الذي يتحدَّث عنه وحده، وإن لم نغفل ما في روحانية العقيدة الإسلامية وبساطتها من جاذبيَّة، وإذا كان أسلوب القرآن هو العنصر الأول لإعجازه البياني فإنَّنا نتساءل عن الخصائص المميِّزة لهذا الأسلوب.

٨٣ / ٢٠٧