تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٥إنَّ دراسات مستفيضة عُنيت بأسلوب القرآن قديمًا وحديثًا ومازال البحثُ غيضا من فيض، ولا نحسبه ينتهي إلى كلمة نهائية لأنَّنا أمام كلام الله - جل جلاله - وهو قمَّة السموِّ البياني، ولكن لا بأس من أن نستأنس برأي أحد الكتَّاب المعاصرين الذين عايشوا القرآن بوجدانهم وفكرهم، حاولوا الغوص إلى دراسة خصائصه الأسلوبية، ذلكم هو الشهيد ”سيد قطب“ الذي يردُّ هذا السبب إلى التصوير الفنيِّ الذي انفرد به القرآن وتميَّز(1).
«التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسَّة المتخيَّلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنسانيِّ والطبيعة البشريَّة؛ ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة والحركة المتجدِّدة، فإذا المعنى الذهني هيئةً أو حركةً، وإذا الحالةُ النفسيَّة لوحةً أو مشهدًا، وإذا النموذجُ الإنسانيُّ شاخصًا حيًّا، وإذا الطبيعة البشرية مجسَّمةً مرئيَّة، فأمَّا الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر فيردُّها شاخصةً حاضرة فيها الحياة؛ وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استولت عليها كلُّ عناصر التخيُّل».
لقد كان عتاة قريش يتسلَّلون لِوَاذًا في جُنْحِ الظلام إلى دار الأرقم، يتنصَّتون خفية لهذه الآيات الباهرات التي سحرت ألبابهم وملكت عقولهم، ولم يمنع الكفار أن يؤمنوا به حقَّ الإيمان سوى الاستكبار والضلال، كانوا يَلتقُون ويتَلاومُون، ولا يملكون صبرًا على سماعه، فالقرآن سحر العرب
(1) 1 - سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص: 17.