تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٨٦فجذب إليه المؤمنين والكافرين على السواء. وقصة إيمان عمر بن الخطاب، وقصة تولِّي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة للإيمان والتولِّي، وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ الوهلة الأولى، وقادهم في اتجاهين مختلفين، وهذا يدلُّ على مدى هذا السحر القاهر الذي يستوي في الإقرار به المؤمنون والكافرون.
ولم يكن للجانب البياني إعجازه الأخَّاذ في القرآن الكريم ما لجأ محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قراءته عليهم وإسماعه إيَّاهم، فقد يكتفي بأن يعطيهم ما كُتب ليقرؤوه بأنفسهم، علمًا منه أنَّ قراءته وإسماع ألفاظه وتراكيبه الرائعة جزء من الإعجاز الذي أراده الله له.
فالقرآن الكريم مخالفٌ في أسلوبه الفريد لكلِّ الأساليب البشرية، وله في ذلك خصائصُ تُفرِدُه وتجعله قمَّة السموِّ البياني، نجملها فيما يلي:
1 - مسحة القرآن اللفظيَّة التي تتجلَّى في نظامه الصوتي، وجماله اللغوي.
2 - إرضاؤُه العامَّة والخاصَّة، بمعنى أنَّ كلَّ من يقرأه مهما يكن مستواه من الفهم يحسُّ بجلاله، ويشعر بروعته.
3 - إرضاؤُه العقلَ والعاطفةَ، فهو يخاطب العقل والقلب ويجمع الجلال والجمال معًا.
4 - جودةُ سَبكِه، وإحكامُ سَردِه؛ فكان سبيكةً ذهبيَّة واحدة، ليس فيها بترٌ أو انقطاع، أو اختلاف في روعة بيانه، فهو كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: « .. قدحُ عسل أوَّلُه كآخره، ومبدؤُه كمُنتَهَاه».
5 - براعتُه في تصريف القول، وتفنُّنُه في ضروب الكلام، تصويرًا وتعبيرًا،