تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٠

فَلَمَّاأَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ (((((((((((((((} (الأنعام). إنَّ البحث عن الإله فطرة، إنَّه عنصر إلهيٌّ مُركَّب في طبيعة الإنسان ليشدَّه دائما إلى التطلُّع إلى السماء ويحركه دائمًا إلى مصدره الأوَّل وهو الله، ولهذا نجد بعض الفلاسفة يقولون: إنَّ الميل إلى الله شهوةٌ حقيقية في طبيعتنا الإنسانية لا تقلُّ عن شهوتنا إلى الطعام. إنَّ المتَّجه إلى الله كالعطشان في الأرض الوَعِرة الخالية من الماء(1)، والإنسانُ مهما كان جنسُه ومهما كان لونُه وأيًّا كانت ثقافته يبحث عن الله على مدى العصور في قرارة نفسه وإن استبدَّ به الانحراف أو سيطر عليه الإلحاد، لأنَّ انحرافه أو إلحاده ما هو إلاَّ ثورة مَرَضية على الأوضاع الكنسيَّة والتقاليد الدينيَّة التي لم تجلِب لنفسه غير القلق والشَّك؛ إنها جراثيم مرَضيَّة سرعان ما تزول حينما تستيقظ الفطرة في نفسه وينبعث نورها في قلبه، إنَّها فطرة الله التي فطر الناس عليها، تصوّر هذه الحالة وهي البحث عن الله بفطرة فيلسوف ألحد في نظر الكنيسة لأنَّها لم تساعده على بناء نفسه على أسُس من السعادة والاستقرار النفسي والاتِّزان الاجتماعي، يقول الفيلسوف الحائر، أو هذا الإنسان الحائر: «إنَّني أدعو كل يوم وأقضي اليوم كلَّه داعيًا أن تنكشف الحقيقة، لقد أصبح الدعاءُ هوايتي منذُ وَجَدت الشكوكُ طريقها إلى قلبي، إنِّي لا أستطيع أن أقبل عقائدكم الكنسية، إنَّ قلبي يفيض بالدموع الغزار وأنا أكتب هذه السطور، قلبي يبكي

(1) - د. عبد العال سالم مكرم، أثر العقيدة .. بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1405هـ/1982م، ص: 11

٩ / ٢٠٧