تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٢

مفهوم العبادة في القرآن الكريم

إنَّ الأغلبية الساحقة من المسلمين اليوم، ابتعدوا عن المفهوم الإسلامي الحقيقي للعبادة، فالعامَّة من المسلمين تفهم العبادة على أنَّها: صلاةٌ وزكاةٌ وصيامٌ وحجٌّ؛ أي قد لا تتعدى العبادات العمليَّة المعروفة، حتَّى أنَّ هذا المفهوم جَرَّد العبادة العمليَّة ذاتَها من جوهرها الحقيقيِّ الذي أراده الله لها، لأنَّها باتت تقليدًا مُتَّبعًا، ومظاهِرَ شكليَّةً في الأغلب الأعمِّ، وقد لا تتجاوز الحركات والسكنات إلى لبِّ الحقيقة في تلك الحركات والسكنات، مع أنَّ الله سبحانه وتعالى، حين ذكَّر عباده بالغاية التي من أجلها خلقهم، ذكر العبادة وربطها بمفهوم أعمق وأشمل، حيث يقول: ﴿(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ((((﴾ (الذاريات).

ونحبُّ قبل الدخول في أسرار العبادة في الإسلام، أن نوضِّح معناها اللغويَّ والاصطلاحيَّ؛ جاء في القاموس: «العبوديَّة والعبادة: الطاعة»، وفي الصِّحاح: «أصل العبوديَّة: الخضوعُ والذلُّ، والتعبيد: التذليل»، وفي اللسان: «أصل العبوديَّة: الخضوعُ والتذلُّل، تقول العرب: تعبَّد فلان لِفلان، أي تذلَّل له، وكلُّ خضوعٍ ليس فوقه خضوع هو: عبادة، طاعة للمعبود أو غير طاعة، وكلُّ طاعة لله على جهة الخضوع والتذلُّل فهي عبادة، والعبادة نوعٌ من الخضوع لا يستحِقُّه إلاَّ المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع

٩١ / ٢٠٧