تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٤

وقد عبَّر الأستاذ ”أبو الأعلى المودودي“ عن مفهوم العبادة في بحث مُطوَّل نختصر منه ما يلي: «إنَّ العبادة هي العبوديَّة معنىً وحقيقةً، أنت عبدُ لله والله معبودُك، فكلُّ ما يأتي به العبد في طاعة معبُودِه هو العبادة، وجملة القول: إنَّ خوفك من الله تعالى، في كلِّ شأن من شؤون حياتك، وفي كلِّ حين من أحيانك، وجعلك مرضاة الله نَصبَ عينيك، وأتباعك لقانونه، ورفضك لكلِّ منفعة تنالها أو يمكن أن تنالها بمعصيته وصبرك على كلِّ مضرَّة تصيبك أو يمكن أن تصيبك بطاعته، ذلك كلُّه من عبادتك لله تعالى، وحياتُك بهذه الطريقة من أوَّلها إلى آخرها عبادة، وليس الأكلُ والشربُ والنومُ واليقظةُ، والقعودُ والقيامُ، والسكوتُ والمشيُ والكلامُ، إلاَّ من العبادةِ في حياةٍ كهذه. هذه هي العبادة، وهذا هو معناه الحقيقيُّ، وما غرض الإسلام إلاَّ أن يجعل الإنسان يعبد الله مثل هذه العبادة في كلِّ حين من أحيانه، وقد افترض عليه لهذا الغرض مجموعةً من العبادات تُهيِّؤه لهذه العبادة الكبيرة، فإنَّه ليست هذه العبادات المفروضة إلاَّ بمثابة التربية للعبادة الكبيرة المنشودة، فكلُّ من يتلقَّى هذه التربية على أحسن وجه، تُؤدَّى العبادة الحقيقيَّة على الوجه المراد، ومن أجل ذلك جعلت هذه العبادات عين الفريضة في الإسلام، وقيل إنَّها أركان الدين»(1).

والحق إنَّنا حين ننظر في هذا التحليل العميق، نجده مجتمِعًا في الحديث القدسي حين سأل جبريل الرسول الكريم عن الإحسان فقال: «أنْ تَعبُد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك»، هذه الجملة من جوامع الكلم المحمَّدِيِّ، فلو حاولنا فهم هذه الجملة فهماً عميقًا، لبلغنا بفهوم العبادة معناه

(1) - أبو الأعلى المودودي، مبادئ الإسلام، ص: 101 - 102، (بتصرف).

٩٣ / ٢٠٧