تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٥

العميق الشامل، الذي يريده الله منَّا، إذ لا تُتصوَّر استقامةُ للإنسان أفضل من هذه الاستقامة؛ أن يعبد الله كأنَّه يراه، وكأنَّه يراه بعينيه يراقبُه دومًا، فلو استشعر كلُّ إنسانٍ هذا الحضور الدائم أمام عينيه لاستقام ظاهرًا وباطنًا، ولحَاسَب نفسه قبل أن يُحاسبه غيرُه، ولجعل من نفسه رقيبًا على كلِّ صغيرة وكبيرة، لا يحتاج في ذلك إلى سلطة أبويَّة، أو قانونية، أو تشريعية، ولو كان الله حاضرًا في حنايا أنفسنا دومًا لما داخلتنا هواجس الشيطان، ولما استجبنا لهوى أنفسنا وإغراءاتها، وذلك هو المفهوم العميق للعبادة في تصوُّر الإسلام.

ولو رُحنا نتتبع العبادات العملية المفروضة علينا لوجدناها وسائل تربويَّة، ترقى بالروح وتسمو بالنفس، وتتَّجه بالعقل والقلب إلى عبادة الواحد الأحد، عبادة عمليَّة دائمة تتجاوز المعنى الآني الذي نعرفه والذي تعوَّدنا عليه، فالصلاةُ تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصومُ يسمو بالإنسان من نوازعه الماديَّة إلى الآفاق الروحيَّة، والزكاةُ صلة اجتماعية قويَّة تربط بين أفراد المجتمع المسلم بالرحمة والتوادد، والحجُّ جمعٌ للمسلمين أجسادًا وأفئدةً في أقدس مكان على الأرض ليتَّحدوا ويتضامنوا.

والعبادة تأتي على معنيين عام وخاص، فالعبادةُ لمعناها العام: أن يعمل الإنسان (المشروعات) يبتغي بذلك وجهَ الله، فمن اشتغل بالطبِّ أو الصيدلة أو الكيمياء أو علوم الحياة أو غيرها، كما يظنُّ بأنَّه من العلوم الدنيويَّة، وهو يريد من عمله وجه الله ونفع عباده المؤمنين فهو في عبادة، وقد نقل عن أكثر من واحد من علماء المسلمين أنَّ الاشتغال بالعلم أفضلُ من صلاة النافلة.

٩٤ / ٢٠٧