تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٧

الكلمة، ومنها ندرك أنَّ العبادة المشروعة لا بدَّ لها من أمرين:

أوَّلا: الالتزامُ بما شرعه الله، ودعا إليه رسله أمرًا ونهيًا، تحليلاً وتحريما؛ وهذا هو الذي يمثِّل عنصر الطاعة والخضوع لله.

ثانيا: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يُحبُّ الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يُحَب، فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئًا مذكورًا، وخلق له ما في السماوات والأرض جميعا، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، وخلقه في أحسن تقويم، وصوَّره فأحسن صورته، وكرَّمه وفضَّله على كثير من خَلقِه، ورزقه من الطيِّبات، وعلَّمه البيان، واستخلفه في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكتَه، فَمَن أَولَى من الله أن يُحَب(1).

ومن ثمَّ تغدو العبادة هي الغاية التي من أجلها خَلَقَ الله لها الخلْق، وأرسل لها الرُّسل، وكذلك كان مفهومها في حسِّ جيل الصحابة - رضي الله عنه - إنَّ عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كلَّه، كما تدلُّ عليه الآية الكريمة البليغة: ﴿(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا (((((((((((((﴾ (الذاريات: 56).

إنَّ هذه الآية الكريمة كانت تمثِّل في حسِّ الصحابة الكرام معنىً هائلا جداً، وعميقًا جدًّا، شاملاً لكلِّ حياة الإنسان، فالقرآنُ نازل بلغتهم، وهم يفهمون إيحاءات اللغة، ويدركون أسرار بلاغتها، فيدركون من معنى الآية أنَّ غاية الوجود الإنساني كلَّه محصورةٌ في العبادة، لا تتعداها إلى شيءٍ غيرها على

(1) - المصدر السابق، ص، 34.

٩٦ / ٢٠٧