تأملات في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ٩٨الإطلاق، فالنفيُ والاستثناءُ هما أقوى صُور الحصر والقصر في اللسان العربي، ومعناهما: النفي البات من جهة، والحصر الكامل من جهة أخرى: ﴿(((((خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ (((( .. ﴾ (الذاريات:56)، ”ما“ و”إلاَّ“، فليس تَمَّتَ غاية للوجود البشري غير عبادة الله، وحصر غاية هذا الوجود كلِّه في عبادة الله. إنَّ هذا الحصر والقصر يدلُّ دلالة قاطعة على أنَّ المسلمين اليوم أخطؤوا فهم معنى العبادة التي يريدها الله منهم؛ إذ لو كانت العبادة هي الصلاة والزكاة وغيرها من العبادات المعروفة أو الشعائر المعروفة، إذا لتساءلنا: كم من الوقت تستغرق هذه العبادات؟ وهل يعني ذلك أن يضَلَّ الإنسان أسيرَ صلاة وزكاة وصوم وحجٍّ .. وغيرها؟ من العبادات لأنَّ الله - سبحانه وتعالى - ما خلقه إلاَّ لهذا الغرض؟ ثمَّ بعد ذلك، إن طبَّق ذلك، فمعناه: أنَّه لا يهتمُّ بأمور دنياه ومتطلَّبات معاشه، وذلك ما لا يقبله عقل على الإطلاق.
إنَّ الإنسان لا يستطيع مهما حاول أن يقضي واجب العبادة المفروض عليه نحو الله من خلال الشعائر التعبُّدية وحدَهَا، ليس الإنسان مَلَكاً، ولن يكون كذلك، الإنسانُ ذلك المخلوق من قبضة من طين الأرض، ونفخة من روح الله، المشتمل إلى جانب روحه الشفيفة على جسد يكدح وينزع ويأكل ويشرب ويتعب وينام، فإنَّه لا يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة التي تُسبِّح الليل والنهار لا تفتر ولا تنشغل عن التسبيح(1)، إنَّ الله فرض على الإنسان عبادة تناسب تكوينه، وتناسب مهمَّته؛ تناسب طاقاته المتنوِّعة،
(1) - محمد قطب، مفاهيم ينبغي أن تصحح، ص، 174 - 176، (بتصرف).