تأملات في القرآن الكريم محمد بن صالح ناصر

تأملات في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ٩٩

والكَبَد الذي يعانيه والكَدَح الذي يلازمه، وتناسب في الوقت ذاته مواهبه التي اختصَّ بها بين الكائنات ومجالات نشاطه الواسعة، والأمانةُ التي تحمَّلها عبادة لم تُعنته في شيء، ولا تكلِّفه ما لا يطيق، وتتَّسع في الوقت ذاته حتى تشمل وجوده كلَّه وعُمرَه كلَّه، من لحظة التكليف إلى لحظة الموت.

وكذلك فهم الجيل الأوَّل - رضي الله عنه - معنى العبادة، لم يحصروها قطُّ داخل الشعائر التعبُّديَّة، بحيث تصبح اللحظات التي يقومون فيها بأداء الشعائر التعبُّديَّة هي وحدها لحظات العبادة، وتكون بقيَّة حياتهم خارج العبادة، إنَّما في حسِّهم أنَّ حياتهم كلها عبادة، وأنَّ الشعائر إنِّما هي لحظات مركَّزة يتزوَّد الإنسان فيها بالطاقة الروحية التي تُعينُه على أداء بقيَّة العبادات المطلوبة منه، ولذلك كانوا يحتفلون بها احتفالاً خاصًّا، كما يحتفل المسافر بالزاد الذي يُعينُه على الطريق، وباللحظة التي يحصل فيها على الزاد.

والقرآن الكريم حافلٌ بمثل هذا التوجيه الربَّاني للعبادة، وسيرة الرسول الكريم مضيئةٌ بمثل هذه المواقف، لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوضِّح ذلك لأمَّته، حتىَّ لا تفرط في العبادة إلى رهبانية مبتدعة، وحتَّى لا تفرِّط في فهم عبوديَّتها لله إلى مادية منحرفة، ومن ذلك ما رواه الشيخان: «ذهب ثلاثة رهطٍ إلى بيتٍ من بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألوا عن عبادته - صلى الله عليه وسلم - فلمَّا أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها، فقالوا أين نحنُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدُهم أمَّا أنا فأصومُ الدهرَ ولا أُفطر، وقال الآخر فأقُوم الليل ولا أنام، وقال الثالث أمَّا أنا فلا أتزوَّج النساء، فلمَّا سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنتم الذين قُلتُم كذا وكذا، أمَا والله إنِّي لأخشاكُم لله وأعبَدكُم له،

٩٨ / ٢٠٧