تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٦و قيل أن المراد بالعصر هنا هو عصر النبوة، و هو أيضا جدير بأن يعظم الله من شأنه، و أن يرفع من قدره، و أن يقسم الله تعالى به لأجل الدلالة على عظم شأنه و علو قدره، فإنه عصر ميزه الله سبحانه و تعالى بما ميزه به من نزول الوحي على قلب النبي الأمي محمد بن عبدالله – صلوات الله و سلامه عليه – ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، و من العمى إلى البصيرة، و من الشك إلى اليقين، و من التفريق إلى الإجتماع. فكانت دورة تأريخية ما عرفها التأريخ في أي عصر من العصور.
و يفرق بين هذا القول و القول الذي قبله أن الـ ( ال) على القول السابق هي من الجنس أي جنس العصر، بحيث يدخل في ذلك كل عصر من عصور الدهر. أما على هذا القول ف ( ال) للعهد الذهني في قول (( و العصر)).
و قيل بأن المراد بالعصر الليل و النهار. و العرب تسمي الليل و النهار ( العصرين)، و الشاهد على ذلك قول الشاعر:
و لن يلبث العصران يوم و ليلة *** إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
و من شأن العرب أن تعبر أحيانا عن المثنى بصيغة الإفراد كما يقول الشاعر:
إذا ما القارض العنزي عاد..
مع أنه من المعلوم أن المثل عندهم ( حتى يعود القارضان)، و لذلك أطلق العصر على العصرين أي الليل و النهار في هذا القسم لأجل مراعاة هذا المعنى.
و جدير أيضا بالليل و النهار أن يقسم الله تبارك و تعالى بهما، فإنهما مطية الإنسان التي تسير به هذا السير الحثيث الذي لا يهدأ و لا يفتر في أي وقت من الأوقات. ثم إن الليل و النهار هما اللذان يأتيان بكل عجيب بمشيئة الله سبحانه و تعالى، ففي هذا الدوران المستمر الذي يدوره الليل و النهار تحدث الأعاجيب، و يقع ما لم يكن في الحسبان، و في ذلك معتبر لأولى الألباب. و في هذا القسم أيضا حث على هذه الأفكار لأن تستبصر بما يجري في الليل و النهار، حتى يكون الإنسان على بينة من الأمر.