تفسير سورة العصر لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٥لعلماء التفسير في ذلك أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن المراد بالعصر هو الدهر، و ذلك لما ينطوي عليه الدهر من أحداث عظام فيها عبر للمعتبرين، و ذكرى للذاكرين. و جدير بالدهر بأن يعظم الله من شأنه حتى يقسم به لما يشهده الإنسان في هذا الدهر من تقلبات الأحوال، و بحسب الإنسان أن يشاهد ما يعاصره من أحداث عظام، فكم من رفيع يتضع، و كم من وضيع يرتفع، و كم من موجود يفقد، و كم من معدوم يوجد، و كم من غني يفتقر، و كم من فقير يستغني، و كم من ذليل يعز، و كم من عزيز يذل في هذا الدهر. فقسم الله تبارك و تعالى بالدهر يرشد إلى أن الإنسان عليه أن يعتبر بكل ما يجري في هذا الدهر من أحداث عظام. هذه الأحداث تستوقف كل ذي لب، و في مصارع القوم الظالمين في هذا الدهر ذكرى للذاكرين، و عبرة للمعتبرين (( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)).
فالدهر تأتي صروفه بالعجائب، و عمر الإنسان يسير في هذا الدهر سيرا حثيثا من غير أن يتوقف في أي لحظة من لحظاته، سواء كان هذا الإنسان في نوم أو يقظة، كان في حركة أو سكون، كان في ذكر أو غفلة، كان في راحة أو تعب. هذا السير الحثيث لا يتوقف، فالناس مثلهم كمثل ركاب القاطرة تسير بهم سيرا حثيثا من غير أن يتوقف، و لكن كل من انتهى منهم إلى حده خر منها من غير أن يتوقف سيرها. أو مثلهم كمثل السجناء الذين حكم عليهم جميعا بالإعدام، و هذا الحكم لا تردد فيه، و لكن لا يدري أحدهم متى ينفذ.