الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٠يجد له عزماً، أي: صبراً. فقال: بنو هذا في الضعف مثلُه. وذكروا أن إبليس كان يُطِيف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح، فلما رآه الخبيث أجوف عرف أنه لا يتمالك.
(2/ 285)
قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64)
قوله: ﴿قَال اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ قال مجاهد: وافراً.
قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ يعني بدعائك، أي: بوسوستك. ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾.
قال مجاهد: كل فارس في معصية الله فهو من خيل إبليس، وكل راجل في معصية الله فهو من رَجل إيليس. وقال بعضهم: رجاله الكفار والضّلاّل من الجِنّ والإِنسِ. وكان الحسن يقرأها: ﴿وَرِجَالِكَ﴾ وقال: وإن له خيلاً وإن له رجالاً.
قوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾ قال الحسن: شركته إياهم في الأموال أنه أمرهم، أي: وسوس إليهم، فأخذوها من حرام وأنفقوها في غير حقها. وشركته إياهم في الأولاد أن الله أعطاهم أولاداً على الفطرة فصبغوهم يهوداً ونصارى أو مجوساً أو عابدي وثن.
وقال الكلبي: شركته إياهم في الأموال ما كانوا يحرّمون مما أحلّ الله لهم، وكل ما أصابوا من غير حلّه ووضعوه في غير حقّه، وشركته إياهم في الأولاد ما ولد من الزنا.
قوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ أي: بالأماني، أي: بأنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار. وهذا وعيد من الله للشيطان، كقول الرجل: اذهب فاجهد على جهدك، وليس على وجه الأمر له.
قال: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾.
(2/ 286)
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)
قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يعني المؤمنين، أي: من يلقى الله مؤمناً فليس له عليهم سلطان أن يضلهم. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ أي: حرزاً ومانعاً لعباده المؤمنين.
قوله: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ فِي البَحْرِ﴾ أي: يجريها في البحر ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أي: طلب التجارة في البحر ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فبرأفته ورحمته سخر لكم ذلك. والرحمة على الكافر في هذا رحمة الدنيا.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ أي: الأهوال ﴿فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ﴾ أي: ما تدعون من دونه ضلّ عنكم. قال: ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ تدعونه. كقوله: ﴿بَلْ إِيَاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: 41]، يعلمون أنه لا ينجيهم من الغرق إلا الله. قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُم إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الذي نجاكم ورجعتم إلى شرككم ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ كَفُوراً﴾ يعني المشرك.
قال: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البَرِّ﴾ كما خسف بقوم لوط وبقارون. ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء يحصبكم بها كما فعل بقوم لوط، يعني الذين خرجوا