الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٠٦لهم إلهاً فكذلك سوّلت لي نفسي أن أصنع إلهاً، ثم ألقي عليه القبضة فيصير ربّاً لبني إسرائيل، فيعبدونه بين ظهرانيهم.
فغضب موسى فأمر بالسامري أن يخرج من محلّة بني إسرائيل ولا يخالطهم في شيء، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار. فمن قرأ ﴿لَّنُحَرِّقَنَّهُ﴾ [طه: 97] فهو يريد لنبردنه ومن قرأها لنحرّقنه فهو يريد لنحرّقنه بالنار. وهي أعجب القراءتين إلي، لأن الحريق للذهب الذي لا تحرقه النار آية عجيبة لموسى. فسلّط الله عليه النار فأحرقته فلما أحرقته النار ذراه موسى في اليم، وهو البحر.
ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض. فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا فيما أتيتنا به، فإن العجل الذي حرّقته كان أحبّ إلينا مما أتيتنا به، فلسنا قابليه ولا آخذين ما فيه. فقال موسى: يا رب، إن عبادك بني إسرائيل ردّوا كتابك، وكذّبوا نبيّك، وعصوا أمرك. فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل، فغشوا به بني إسرائيل، حتى أظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء. فقال موسى: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل فيشدخكم. فقالوا: سمعنا وعصينا. أي: سمعنا الذي تخوّفنا به، وعصينا الذي تأمرنا به. ثم أخذوا الكتاب، ولم يجدوا بداً من أخذه. ورفع عنهم الجبل. فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره، ومؤمن وكافر. يقول الله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لكي تشكروا. فندم القوم على ما صنعوا وعابتهم موسى وعيَّرهم بالذي صنعوا، وقال: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، أي إلى خالقكم. فقالوا: كيف التوبة يا موسى؟ قال: فاقتلوا أنفسكم، يعني يقتل بعضكم بعضاً.