تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨٨

فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخلون وخارجون، فقال: سبحان الله، أمرني ربي أن أخبر قومي أن العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم. فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليها، فأتوه فحملوه، وهم لا يَعْرِفونه. فانطلق إلى ناحية من السفينة فتقنّع فرقد. فما مضوا إلا قليلاً حتى جاءتهم ريح فكادت السفينة أن تغرق. فاجتمع أهل السفينة فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجل يدعو الله معنا، ففعلوا. فدعا الله معهم، فرفع الله عنهم تلك الريح. ثم انطلق إلى مكانه فرقد. فجاءت ريح، فكادت السفينة أن تغرق، فأيقظوه، فدعوا الله ودعا معهم، فرفع الله تبارك وتعالى عنهم الريح.

فتفكر العبد الصالح يونس فقال: هذا من أجل خطيئتي، أو قال: من ذنبي، أو كما قال. فقال لأهل السفينة: شدّوني وثاقاً وألقوني في البحر، فقالوا: ما كنا لنفعل هذا بك وحالك حالك. ولكنا نقترع، فمن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا فأصابته القرعة. فقال: قد أخبرتكم، فقالوا: ما كنا لنفعل. ولكن اقترعوا الثانية، فاقترعوا فأصابته القرعة؛ وهو قول الله عز وجل: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: 141] أي: من المقروعين، ويقال: من المسهومين. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسه في البحر، فإذا هو بحوت فاتح فاه. ثم انطلق إلى ذنب السفينة، فإذا هو بحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة فإذا هو بحوت فاتح فاه.

(2/ 413)

فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت. فأوحى الله تبارك وتعالى إلى الحوت إني لم أجعله لك رزقاً، ولكن جعلت بطنك له سجناً؛ فلا تكسِرَنّ له عظماً، ولا تقطعَنَّ له شعراً. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ كما قال الله: ﴿أَن لاَّ إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾. قال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ﴾ فأوحى الله إلى الحوت أن يلقيه

١٬١٥٦ / ٢٬٠٨٣