الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٦قال بعضهم: هذا كان في شأن عائشة وما أذيع عليها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأخذ الناس في الرحيل، فانقطعت قلادة لها، فطلبتها في المنزل ومضى الناس. وقد كان صفوان بن المعطل تخلّف عن المنزل قبل ذلك. ثم أقبل فوجد الناس قد ارتحلوا، وهو على بعيره. فإِذا هو بعائشة، فجاءها ببعيره وولاّها ظهره حتى ركبت. ثم قاد بها، فجاء بها وقد نزل الناس. فتكلّم بذلك قوم واتَّهَمُوها.
بلغنا أن عبد الله بن أُبَي بن سلول وحسّان بن ثابت ومسطحاً وحمنة بنت جحش هم الذين تكلّموا في ذلك ثم شاع ذلك في الناس. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عذرها جلد كل واحد منهم الحد. وقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ يعني هؤلاء.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم﴾ يعني عائشة وصفوان، يعني ما قيل فيهما ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم﴾ أي: من الذين قالوا ما قالوا ﴿مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ أي ما اقترف من الذنب على قدر ما أشاع.
﴿وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: الذي بدأ به ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال بعضهم: هو مسطح، فذهب بصره و هو العذاب العظيم. وقال بعضهم: هو عبد الله ابن أبيّ بن سلول المنافق، له عذاب عظيم، أي: جهنم، فلا أعظم من ذلك.
(2/ 480)
قوله: ﴿لَّوْلآ﴾ أي: هلاّ ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾ أي: بإخوانهم خيراً كما كانوا يظنّون بأنفسهم. أي: لو كانوا مكان صفوان ما كان منهم إلا خير. أي: فليظنّ المسلم بأخيه ما يظنّ بنفسه.
فهذا عظة وأدب للمؤمنين قائمان إلى يوم القيامة، إن اتَّعَظُوا بعظة الله، وتأدّبوا بأدب الله الذي أمرهم به، وتقدّم إليهم فيه.