الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨٣وهذا الحرف يقرأ على وجهين: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أي: في المساجد ﴿بِالغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ﴾، والحرف الآخر: ﴿يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ﴾. ثم قال: ﴿رِجَالٌ﴾، أي: فهم الذين يسبحون له فيها بالغدو والآصال.
قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ أي: قلوب الكفار وأبصارهم. وتقلُّبُ القلوب أن القلوب انتزعت من أماكنها فغصّت بها الحناجر، فلا هي ترجع إلى أماكنها ولا هي تخرج. وهو قوله: ﴿إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: 18]. وأما تقلب الأبصار فقد قال في آية أخرى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97] أي: لإجابة الداعي. وهو كقوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: 43].
وقال الحسن في قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ﴾ أي: بالزَّرَقِ بعد الكَحَل، والعمى بعد النظر.
(2/ 492)
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ أي: ثواب ما عملوا، [يجزيهم به الجنة] ﴿وَيَزِيدَهُم مِّنْ فَضْلِهِ﴾ فأهل الجنة أبداً في مزيد.
ذكروا عن كعب قال: وجدت في التوراة أن بيوتي في الأرض المساجد، فمن توضأ في بيته ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور أن يكرم زائره، ووجدت في القرآن: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ