الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٦﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ تفسير الحسن أن سليمان أمر الشياطين أن تصنع صرحاً، أي: مجلساً من قوارير.
وقال الكلبي: إن الجن استأذنوا سليمان فقالوا: ذرنا فَلْنَبْنِ صرحاً من قوارير، والصرح قصر، فننظر كيف عقلها. وخافت الجن أن يتزوّجها فتطلع سليمان على أشياء كانت الجن تخفيها من سليمان. وذلك أن أحد أبويها كان جنياً، فلذلك تخوّفوا ذلك منها.
قال الكلبي: فأذن لهم. فعمدوا إلى الماء ففجّروه في ارض فضاء، ثم أكثروا فيه من الحيتان والضفادع، ثم بنوا عليه سترة من زجاج، ثم بنوا من حوله صرحاً، أي: قصراً، ممرّداً من قوارير؛ الممرّد: الأملس. ثم أدخلوا عرش سليمان، أي: سريره، وعرشها وكراسي عظماء الملوك. ثم دخل الملك سليمان صلى الله عليه وسلم ودخل معه عظماء جنده. ثم قيل لها: ادخلي الصرح، وفتح الباب. فلما أرادت الدخول إذا هي بالحيتان والضفادع، فظنّت أنه مُكِرَ به لتغرق. ثم نظرت فإذا هي بالملك سليمان على سريره، والناس حوله على الكراسي، فظنت أنها مخاضة، فكشفت عن ساقيها. وكان لها شَعَر، فلما رآها سليمان كرهها. فعرفت الجن أن سليمان قد رأى منها ما كانت تكتم. قالت لها الجن: لا تكشفي عن ساقيك ولا عن قدميك فإنه صرح ممرّد، أي مملس، من قوارير.
وقال بعضهم: كان الصرح بني من قوارير على الماء. فلما رأت اختلاف السمك من ورائه لم يشتبه عليها أنه لجّة، وكشفت عن ساقيها. وكان أحد أبويها جنّيّاً. وقال مجاهد: كانت أمها جنيّة. قال: وكان مؤخر رجليها كحافر الدّابة، فكانت إذا وضعته على الصرح هشمته. قال مجاهد: كان الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها إياه.
وقال بعضهم: إنها لما أقبلت إلى سليمان خافت الشياطين من أن يتزوّجها
سليمان، وقالوا: قد كنّا نلقى من سليمان من السخرة ما نلقي، فكيف إذا اجتمع عقل هذه وتدبيرها مع ملك سليمان ونبوته، مع أن أمّها كانت من الجن، فالآن هلكتم. فقال بعضهم: أنا أصرف سليمان عنها حتى لا