تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٥٧

مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]. فلما نزلت هذه الآية قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما أصابنا هذا بعدُ. فلما كان يوم الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 22]. وأنزل الله: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أي: محِّصوا ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي: حرَّكوا بالخوف وأصابتهم الشدّة.

قال الله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ وهم المنافقون، وهم المرضى، والمرجفون في المدينة، وكل هؤلاء منافقون. وصنّف كل صنف منهم بعَلَمه، وهم منافقون جميعاً، وهو كلام مثنى: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾.

وذلك أنه لما أنزل الله في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. فوعد الله المؤمنين أن ينصرهم كما نصر من قبلهم بعد أن يُزَلزَلوا، وهي الشدّة، وأن يحرَّكوا بالخوف، كما قال النبيُّون، حيث يقول الله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ قَالَ الله: ﴿أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾؛ فقال المنافقون: وعدنا الله النصر [فَلاَ ترانا ننصَر] وأرانَا نُقتَل ونُهزَم.

ولم يكن فيما وعدهم الله ألا يقتل منهم أحد، ولا يهزموا في بعض الأحايين. قال في آية أخرى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] وإنما وعدهم الله النصر في العقابة وطوى عنهم القتل والهزيمة، فذلك معنى قولهم: {مَّا

١٬٤٢٥ / ٢٬٠٨٣