الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤المدينة فأخذوا الحيتان ليلة السبت ويوم السبت، فأكثروا منها، وملّحوا وباعوا؛ ولم تنزل بهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: إنا نرى السبت قد حلّ وذهبت حرمته؛ إنما كان يعاقب به آباؤنا في زمن موسى، ثم استنَّ الأبناء سنة الآباء، وكانوا يخافون العقوبة، ولو كانوا فعلوا لم يضرهم شيء. فعملوا بذلك سنين، حتى أثروا منه، وتزوجوا النساء، واتخذوا الأموال.
فمشى إليهم طوائف من صالحيهم فقالوا: يا قوم، إنكم قد انتهكتم حرمة سبتكم، وعصيتم ربكم، وخالفتم سنة نبيّكم، فانتهوا عن هذا العمل الرديء قبل أن ينزل بكم العذاب، فإنا قد علمنا أن الله منزل بكم عذابه عاجلاً ونقمته. قالوا: فلمَ تعظوننا إذ علمتم أن الله مهلكنا، والله لقد عملنا هذا العمل منذ سنين، فما زادنا الله به إلا خيراً؛ وإن أطعتمونا لتفعلن مثل الذي فعلنا؛ فإنما حرم هذا على من قبلنا، وهم الذين نهوا عنه. قالوا: ويلكم لا تغتروا ولا تأمنوا بأس الله، فإنه كأن قد نزل بكم. قالوا: ف ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾. قالوا: معذرة إلى ربكم؛ إما أن تنتهوا فيكون لنا أجر، أو تهلكوا فننجو من معصيتكم. فأنزل الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيِسٍ﴾، أي شديد، ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فأصبح الذين استحلّوا السبت قردة خاسئين.
(1/ 445)
وقال بعضهم: إنهم صاروا ثلاث فرق: فرقة اجترأت على المعصية، وفرقة نهت، وفرقة كفّت فلم تصنع ما صنعوا ولم تنههم؛ فقالوا للذين نهوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً، قالوا معذرة إلى ربكم. ولعلهم يتقون.
قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي يعتدون في السبت، وهو من الاعتداء ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ قال الحسن: إن الله حرم عليهم أخذ الحيتان يوم السبت بخطيئة كانت منهم، وأحل لهم الأيام كلها إلا يوم السبت. فإذا كان يوم السبت أتتهم على أبوابهم فتنبطح وتشرع. ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ﴾ أي في غير يوم