الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٤ذلك حين دعا نوح عليهم السلام فقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: 26] ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا تحزن عليهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ قال بعضهم: لا تأسَ ولا تحزن.
(2/ 98)
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
قوله: ﴿وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بأمرنا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: وبوحينا فعملها على مثل جؤجؤ الطير. قال بعضهم: رأسها مثل رأس الحمامة، وذنبها مثل ذنب الديك.
قوله: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: ولا تراجعني في الذين ظلموا أنفسهم بشركهم ﴿إِنَّهُم مَّغْرَقُونَ﴾.
قال: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: إن نوحاً عمل الفلك بيده، فكان يمر عليه الملأ من قومه، فيقولون له استهزاءً به: يا نوح، بينما تزعم أنك رسول رب العالمين إذ صرت نجّاراً.
﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾. وكان الرجل من قومه يأخذ بيد ابنه فيذهب به إلى نوح فيقول: يا بُنَيّ، لا تطع هذا، فإن أبى قد ذهب بي إليه، وأنا مثلك، فقال لي: لا تطع هذا.
قوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يعني عذاب الدنيا، أي: الغرق.
قال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ أي: دائم في الآخرة. وهي تقرأ على وجهين: يحِل ويحُل؛ فمن قرأها: ويحل، أي: يجب. ومن قرأها: ويحُل: أي وينزل به.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ والتنور في تفسير الحسن: الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ ففار منه الماء، والسفينة على الأرض. [فكان ذلك