الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٧أم أمه. وكان الحسن يقول: هي أمه التي ولدته.
(2/ 156)
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)
قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ﴾ والعرش هو السرير ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ قال الحسن: خرّوا له بأمر الله، أمرهم بالسجود له لتأويل الرُّؤيا.
قال بعضهم: كان السجود تحية من كان قبلكم، وأعطى الله هذه الأمة السلام، وهي تحيّة أهل الجنة. وقال بعضهم: كان سجودهم لله تلقاء يوسف.
﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: تحقيق رؤياي من قبل ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾.
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِيَ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ﴾. وكانوا بأرض كنعان، أهل مواشِ وبرّيّه ﴿مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطف بيوسف حتى أخرجه من الجب ومن السجن، وجمع له شمله وأقرّ عينه. ﴿إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾.
قوله: ﴿رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي: خالق السَّماواتِ والأرض ﴿أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ﴾ أي: لا أتولى في الدنيا والآخرة غيرك. ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ أي: بأهل الجنة.
وقال بعضهم: لما جمع الله شمله، وأقر عينيه ذكر الآخرة فاشتاق إليها فتمنى الموت؛ قال: فلم يتمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ﴾ أي: من أخبار الغيب، يعني ما قص من قصتهم من أول السورة إلى هذا الموضع. ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي: عندهم ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ أي: بيوسف إذ يلقونه في الجب.
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على القرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ فيكونون إنما حملهم على تركه الغرم. وقال في آية أخرى: ﴿قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 90] قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ يذكرون به الجنة والنار.
قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ﴾ أي: وكم من آية ودليل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ أي: يرونها ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ يعني بآيات السماوات الشمس والقمر والنجوم، وبالآيات التي في الأرض ما خلق الله فيها وآثار من أهلك الله من الأمم السالفة. يقول: لا يتعظون بالآيات.
قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ وهي مثل قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: 87]: قال بعضهم: إيمانهم أنك لا تَسأل أحداً إلا أنبأك أَنَّ الله ربُّه، وهو في ذلك مشرك في عبادته.
قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا﴾ يعني المشركين ﴿أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللهِ﴾ على الاستفهام، أي: غاشية تغشاهم من عذاب الله، وهم آمنون من ذلك غافلون. أي: إنهم ليسوا بآمنين أن يأتيهم