الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٢سبيل الهدى. وجار عنها وجار منها واحد، وهي في قراءة ابن مسعود: ومنكم جائر. قال بعضهم: جائر من السبيل، أي: عن سبيل الهدى، ناكب عنها. وذلك تفسيرها.
قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. مثل قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: 99]. وكقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَميعاً﴾ [الرعد: 31].
(2/ 223)
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)
قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾. أي: ترعون أنعامكم، أي: تسرحونها فيه. وقال مجاهد: ﴿تُسِيمُونَ﴾ أي: تُرْعون.
قوله: ﴿يُنبِتُ لَكُم بِهِ﴾ أي: بذلك الماء ﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ذكر بعضهم قال: إن الله أهبط إلى الأرض من الجنة ثلاثين ثمرة؛ عشر يؤكل داخلها ولا يؤكل خارجها، وعشر يؤكل خارجها ولا يؤكل داخلها، وعشر يؤكل داخلها وخارجها.
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهم المؤمنون. قال: فالذي ينبت من ذلك الماء الواحد هذه الألوان المختلفة قادر على أن يحيي الموتى.
قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يختلفان عليكم ﴿وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ يذكر عباده نعمته عليهم، وينبههم بها على لسان نبيه مما لم ينتبهوا له إلا بالمنبهين، وهم الأنبياء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهم المؤمنون.
قوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي: وما خلق لكم في الأرض ﴿مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ قال الحسن: من النبات. وقال بعضهم: من الدواب والشجر والثمار. قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ وهم المؤمنون.
(2/ 224)
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)
قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّر البَحْرَ﴾ أي: خلق البحر ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ أي: الحيتان ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي: اللؤلؤ. ﴿وَتَرَى الفُلْكَ﴾ أي: السفن ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ يعني شقها الماء في وقت جريها.
وقال بعضهم: ﴿مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي: سفن البحر مقبلة مدبرة تجري فيه بريح واحدة. وقال مجاهد: ولا تُجري الريح من السفن إلا العظام ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يعني طلب التجارة في البحر. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لكي تشكروا. وهو مثل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: 81].
قوله: ﴿وَأَلْقَى في الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلا تتحرك بكم. وقال مجاهد: أن تكفأ بكم. وقد فسّرناه في غير هذا الموضع. ﴿وَأَنْهَاراً﴾ أي: جعل فيها أنهاراً