الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٥قال الله: ﴿أَلاَ سَاءَ﴾ أي: بئس ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾ إذ جعلوا لله ما لم يرضوا أن يخصّوه لأنفسهم. وهذا مثل ضربه الله لهم.
(2/ 236)
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ أي: إنه ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾ [الإسراء: 111] ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾.
قال بعضهم: في قوله: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ قال: الإِخلاص والتوحيد.
قوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ أي: لحبس المطر فأهلك حيوان الأرض. ﴿وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: يؤخر المشركين والمنافقين ﴿إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: إلى الساعة لأن آخر كفار هذه الأمة أخر عذابها بالاستئصال إلى النفخة الأولى. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: بعذاب الله ﴿لاَ يَسْتَئْخِرُونَ﴾ أي: عن العذاب ﴿سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: يجعلون لله البنات ويكرهونها لأنفسهم ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ أي: يتكلمون به ويعلنون به ﴿أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى﴾ أي: الغلمان. وفي تفسير الحسن: ﴿أَن لهم الجنة﴾، إن كانت جنة؛ كقول الكافر: ﴿وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: 50] أي: إن رجعت، وكانت ثمّ جنة.
قال الله: ﴿لاَ جَرَمَ﴾ وهي كلمة وعيد ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾. أي: معجّلون إلى النار. وبعضهم يقرأها ﴿مفرَطون﴾ أي: منسيون فيها مضيَّعون وبعضهم يقرأها ﴿مفرِّطون﴾ يعني أنهم مفرِّطون؛ كقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام: 31].
(2/ 237)
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
قوله: ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم، أقسم الله بنفسه ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ يعني من أهلك بالعذاب من الأمم السالفة. ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾ وإلى يوم القيامة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة.
قوله: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ﴾ أي: القرآن ﴿إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ﴾.
قوله: ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات فيحييها بالمطر فتنبت بعد إذ لم يكن فيها نبات. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ فيعلمون أن الذي أحيا هذه الأرض الميتة حتى أنبتت قادر على أن يحيي الموتى، لأن المشركين لا يقرون بالعبث.
قوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً