مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

أجاءها فعل رباعي من "أجاء" مزيد بالهمزة، أي ألجأها المخاض ـ مقدمات الوضع ـ وهي حالة تعرفها الحوامل، تحس فيها أن ما في بطنها على وشك الخروج، لما أحست ذلك التجأت إلى جذع النخلة، وكأنها نخلة كانت معروفة عندهم وليس البلد بلد نخل، ولذلك عُرِّفت بالألف واللام، التجأت إليها لتمسك بجذعها عند الطلق لعلّها تجد بذلك قوة تعينها على الولادة، وما تدري أن الله قد جعل لها على رأس هذه النخلة المباركة رُطبًا يكون لها أفضل غذاء وأنفعه، ركضت هنالك وحيدة وفي قلبها ما الله به عليم من الهواجس.

ها قد أصبح الأمر حقيقة واقعة، وها هو المولود سيستهل بعد لحظات، فماذا تقول لقومها، ومن يصدقها منهم؟ إنه أمر عظيم أحست به مريم وهي راكضة للولادة.

﴿قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبلَ هَذَا وَكُنتُ نِسيًا مَّنسِيًّا﴾تَمنت أن تكون ماتت قبل هذه الحالة، وكانت خرقة من ثوب بال مرمية منسية، إنها صدمة عنيفة هي من الله محنة وبلاء مبين لهذه المرأة التي أراد الله أن ينقي عنصرها، ويرفع درجاتها عنده حتى تكون أفضل نساء العالمين، ويريد الله أن تكون محلا لظهور هذه الآية العظيمة التي ستبقى ما بقي الزمان، يتناقلها الناس، ويهتدون بها إلى قدرة الله الفعال لما يريد، لقد كان الله حَفِيًّا بمريم، فلم يتركها في هذه الحيرة طويلا، فما إن خرج منها المولود الذكر، وصار حقيقة واقعة حتى خاطبها بلسان فصيح خطابًا تفهمه، يزيل عنها الحزن ويسري عنها ما بها من الحيرة والاضطراب.

﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا وَّهُزِّي إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تَسَّاقَط عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وِاشرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمَنِ صَومًا فَلَنُ اكَلِّمَ اليَومَ إِنسِيًّا﴾

١٦٥ / ٤٥٣