مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

اذكر يا مُحَمَّد في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شَرْقِيًّا، إذ اعتزلت أهلها، وقصدت مكانًا شَرْقِيًّا، لبيت المقدس، تفردت فيه بعيدة عن الناس، وما هي علة هذا الانتباذ؟

قيل: إنما ابتعدت عن المسجد الأقصى، واعتزلت عن محرابها فيه؛ لأجل الحيض الذي أتاها، وذلك أن حيضة أتتها قبل حملها بالمسيح، وهي في سن الثالثة عشرة.

وقيل: في الرابعة عشرة، وقيل أكبر من ذلك، عكفت في ذلك المكان البعيد أيام حيضها، ريثما تطهر ويزول الأذى فلما طهرت جاء أمر الله.

﴿فَأَرسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾

أرسل الله إليها الروح جبريل ـ عليه السلام ـ فتمثل لها في صورة بشر سوي، تام الخلقة، جميل الصورة، حسن الهيئة، وقد يتمثل الملك بإذن الله في صورة آدمي.

﴿قَالَتِ اِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾

ذُعرت المرأة الضعيفة، وخجلت وخافت منه سوءًا، فاستعاذت بالرحمن، وتصوروا كم تعظم دهشة امرأة تقية عفيفة تنشأ منفردة، في بيت العبادة في بيئة طاهرة لا يخطر السوء ببالها، كم تكون دهشتها عظيمة حين تجد بجانبها في خلوتها شابًا وسيمًا سَوِيًّا، كم يكون ذعرها شديدًا من هذا الفتى، فما أعظمها محنة من الله لمريم البتول بهذا الشاب الرسول، ولذلك ما لبثت أن نطقت بالاستعاذة ملتجئة بها إلى ربها الرحمن الذي لا راحم اليوم لضعفها سواه.

﴿قَالَتِ اِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾

تذكره بالله إن كان تقيًا، أي فاجتنبني إن كنت متقيًا لله، وما تدري أن الله هو الذي أرسله إليها، وقال بعض المفسرين: ﴿إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾

أي ما كنت تقيًا، جعلوها نافية غير أني أرى الروعة في المعنى الأول؛ لأن الوعظ والتخويف به أبلغ، وهو نظير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذِّينَ آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ (البقرة:278).

{

١٧٤ / ٤٥٣