مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٧٥قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا}
أجابها قائلا: ما جئت إلاَّ مرسلا من الله ربُّك الذي أنبتك نباتًا حسنًا، ورزقك وحفَّك بألطافه.
اختيرت الإضافة إلى الرب ليذكرها بنعمه وألطافه، ولتعلم أن هذه الهبة من جملة نعمه، ورزقه فلتتقبلها من الله برضا وصدر منشرح، والواهب هو الله، وما المَلَكُ إلاَّ مبلغ للهبة حامل لها وفي بعض القراءات: ﴿لِيَهَبَ﴾ لك ولدًا ذكرًا زكي النفس والقلب، صالح الأفعال مَرضِيًّا.
﴿قَالَتَ اَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَّلَم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَّلَمَ اَكُ بَغِيًّا﴾
تعجبت وقالت كيف يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟ إنها لا عهد لها بالأمور الجنسية، ولكن الصدمة أثارتها فتكلمت ولم تصرِّح، وكَنَّت بالمسيس عن الجماع حياء منها، وبما أن المسيس يشمل الحلال والحرام وهي لم يسبق لها زواج زادت فصرحت بنفي النوع الثاني منه وهو الحرام، والبغي: هي المرأة الزانية، نفت عنها البغاء تشبثًا بعفافها، وهو كلام يدل على شدة وقع الصدمة على هذه المرأة المسكينة في محنتها هذه، ولولا دهشتها لأدركت أن الغلام الزكي الذي يأتي هبة من الله لا يكون بطريق البغاء، ولكنها الدهشة المفاجئة أنطقتها بما نطقت به.
﴿قََالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَّلِنَجعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَّكَانَ أَمرًا مَّقضِيًّا﴾
قال لها الملَك: كذلك قال ربك، أي هو قول ربك وحكمُهُ، وأمره لا بد مقضي، ذكَّرها بالله وبقوله، لتعلم يقينًا أن الهبة من الله، وأن الأمر أمره حتى تطمئن إلى قول الله وأمره، ويسكن روعها، وتذهب عنها الهواجس، فليس ثمة ما ينكر، وأضيف القول إلى الرب، كما أضيفت الرسالة إليه من قبلُ، تذكيرًا لها بربها الذي سبق إحسانه إليها، فلتطمئن إليه فإنه لا يخزيها.
﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾