مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

كانت هذه الكلمات التي خاطبها بها ولدها بصوت مرتفع في تعبير فصيح تفهمه جيدًا وتأنس إليه.

﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا﴾ أي في ساعة الولادة، وبعدها مباشرة جاءت ﴿أَنْ﴾: وهي تفسيرية، ﴿لا تحزني﴾: أزيلي عنك الحزن وسري عن قلبك، فإن ربك سيجعل لك من أمرك يسرًا، فاشتغلي بطعامك الذي هيأه الله لك، ولا تشتغلي بما وراءه فإن الله معك ولن يخزيك.

﴿قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا﴾

وهنا تأتي كلمةُ الرب التي تدل على التربية والعناية والكفالة والحفظ، مضافة إليها تذكيرًا لها على ما سلف من إحسان الله إليها، وكما أحسن الله فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي، ما دامت تعبُده وتتوكل عليه.

﴿قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا﴾

قد خلق ربك وأنبع لك سَرِيًّا: أي نهرًا صغيرًا، تحتك قريبًا منك، وخلق لك الرطب في النخلة قريبًا منك، فما هو إلاَّ أن تهزي إليك بجذع النخلة حتى يتساقط عليك الرطب الجني، الرطب الناضج المتهيئ للأكل، فكلي منه واشربي من السري العذب، وقري عينًا، وانبذي عنك المخاوف والأحزان، أربع كرامات تتحقق لهذه المرأة القصَّية عن قومها، ولكن الله معها فهو عندها يهيئ لها من أمرها مرفقًا.

الكرامة الأولى: إن الله أنطق لها وليدها تحتها في لحظة الولادة؛ ليطمئن قلبها، ويزيل ما به من خوف وحزن.

الكرامة الثانية: إن الله خلق لها على رأس النخلة رطبًا جنيًا، وليس البلد بلد نخل وتمر، ولا الوقت وقت جني الرطب.

الكرامة الثالثة: إن الله أنبع لها سَرِيًّا من ماء، وما كان موجودًا من قبل.

الكرامة الرابعة أنها تهز جذع النخلة فيطاوعها ويلقى عليها الرطب الجني الكثير، وهذا يفهم من قوله: ﴿تَسَّاقَطْ﴾ عليك رطبًا جنيًا، فكأن النخلة كلُّها تَسَّاقَطُ رطبًا لكثرته، ولم يقل يَسَّاقَطُ الرطب وهذا المعنى يدركه أهل البلاغة.

١٧٩ / ٤٥٣