مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤قال ـ تعالى ـ: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾
أي: ولا تفترا عن ذكري؛ لأن ذِكر الله هو النور، وهو العون لهما على جميع أمورهما، وهو سلاحهما ودرعهما الذي يقيهما كيد إبليس ومن دون إبليس من شياطين الجن والإنس، وهذا إرشاد من الله لنا أن نستعين في أمورنا كلها بذكر الله ـ تبارك وتعالى ـ، وكذلك جاء في القرآن الكريم ﴿يا أيها الذِّينَ ءَامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ (الأنفال:45).
وجه الله الأمر إليهما بالذهاب بصيغة التثنية؛ لأن المأمورين موسى وهارون، وقد يكون الله أمر هارون كما أمر موسى، وقد يكون الأمر في مناسبة أخرى بعد هذا الموقف، وجاء التصريح هنا بفرعون، ووُصِفَ بالطغيان؛ لأنه المقصود الأول بالذهاب، فهو رئيس القوم المعبود المتَّبع الذي طغى واستعبد الناس وجعلهم شيعًا، يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وهو الطغيان البيِّن، فأراد الله أن يقيم عليه الحجة قبل أن ينتقم منه، وقد علم الله أنه لا تنفعه الذكرى وأمر عبده موسى وأخاه هارون أن يقولا له قولا لينًا فقال:
﴿فَقُولاَ لَهُ قَولاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى﴾
ومن رحمة الله ـ تعالى ـ أن يختار رسله ويجعلهم على أخلاق حسنة ثم يأمرهم بِإِلانة القول للذين يدعونهم، وكذلك أمر عبده ونبيّه موسى أن يلين القول لفرعون الطاغية، وفي الأمر إشارة إلى حق فرعون على موسى؛ لأنه الذي رباه وأحسن إليه زمنًا طويلا، وفي قوله ـ تعالى ـ:
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى﴾
حثٌّ لموسى أن يجتهد في تبليغ الدعوة بأسلوب حكيم فيه رفق ولين رغبةً في إيمان فرعون، لعله يرجع إلى الفطرة، ويتذكر الحق، ويخشى عذاب الله وعاقبة الكفر والطغيان.
﴿قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَّفرُطَ عَلَينَا أَوَ اَن يَّطغَى﴾