مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

إِنَّ المتأمل في كتاب الله بتدبُّر وإمعان يُدْرك أَنَّ مدار هداية كلام ربِّ العالمين في كتابه العظيم كله حقيقة ثابتة واحدة هي «الصراط المستقيم»، فإِنَّ الله خلق الإنسان وحدَّد له هدفا واحدا يَعملُ من أجله في دنياه ليوصله إلى السعادة في أخراه، وذلك الهدف الموصل إلى هذه السعادة الكبرى التي يتمناها كل إنسان سوي، لا طريق له إليها غير الصراط المستقيم الذي وضع منهجه وطريقه ومبدأه ومنتهاه خالقُ السماوات والأرض، الذي خلق الأشياء كلَّها فقدرها تقديرًا، وحدد روحها منشأً ومصيرًا. وكذلك علَّمنا ربنا: ژ چ چ چ چ ?? ? ? ? ? ? ? ?? ژ ژ ڑژ (الأنعام:153).

ولكي يوضح الرسول ح هذا الصراط المستقيم الموصل وحده إلى الجنة والسعادة الأبدية، قدَّم أمام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم رسما تخطيطيا حتى يقرَّب المعنى العام إلى أفهامهم بطريقة واضحة جلية ترسخ في الأذهان، وتعمل من أجلها الأبدان. فرسم خطًّا في الأرض له بداية وله نهاية، وأخرج من ذلك الخط خطوطًا عن اليمين وعن الشمال، فأشار إلى الخط المستقيم وقال: «هذا الصراط المستقيم»، وأمَّا الخطوط المتفرقة عنه فهي السبل التي نهانا الله عن اتباعها، لأَنَّها تبعُد بنا عن الهدف، وهذا التبيين يدركه العقل دون تفكير، لأَنَّه من البداهات الفطرية، وهو أَنَّ أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم.

ومن هنا كان الرسول ح حريصا على أَنْ يُجيب السائلين من صحابته بقول جامع ليس فيه تعقيد ولا تكرار، فقد جاء في الحديث عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قُلْ لِي فِي الإِسْلاَمِ قَوْلاً لاَ أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِى حَدِيثِ أَبِى أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»(1).

(1) - رواه مسلم في صحيحه، باب جامع أوصاف الإسلام، رقم: 168، ج:1، ص: 47.

١٠٢ / ١٥٠