مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ١٤٣وما هي صفة هذه الأمانة؟ التي وقعت على قلب محمَّد ح مباشرة إنَّها الرسالة الخالدة للعالمين قاطبة، النذارة «لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ» وإنَّ التعبير «بالمنذرين» فيه من الإعجاز البيانيِّ ما فيه لمن تأمَّله.
لأنَّ المنذر يفهم منه أيضًا المبشِّر، ولكنَّ الأمانة والمسؤوليَّة تقتضي ذكر النذارة لأنَّ البشر انحرفوا عن فطرتهم السويَّة التي هي الإيمان بربوبيَّة الواحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فكأنَّ الأولى أن يُنذَروا حتَّى لا يتَّبعوا طريق الضلال الذي سلكته الأمم البائدة من قبلهم وهذا ما تسيِّر إليه الآية «مِنَ الْمُنذِرِينَ»، وفي هذا إشارة لطيفة بليغة إلى أنَّ محمَّدًا هو خاتم الأنبياء والمرسلين «ومِن» ليست للبعضيَّة وإنَّما هي للأفضليَّة.
ثمَّ يأتي الوصف الأخير الذي يؤكِّد مكانة الأسلوب الذي نزل به هذا الكتاب وهو اللسان العربيُّ المبين «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ»؛ ولعمري إنَّها لشهادة شرفيَّة عظيمة لهذه اللغة التي اختارها الله لحكمة يعلمها هو وحده، وكفى اللغة العربيَّة شرفًا أن ترتقيَ إلى هذه الدرجة من السُّموِّ والتشريف وهو الرقيُّ الذي لم ترتق إليه لغةٌ أخرى قطُّ في الأوَّلين والآخرين منذ آدم إلى قيام الساعة. فالمصدر هو ربُّ العالمين، والمبلِّغ هو الروح الأمين، والمبلَّغ له هو قلب محمَّد الأمين، والرسالة تبليغ دين ربِّ العالمين، والأسلوب هو اللسان العربيِّ المبين … هذه الأربع: المصدر، والمبلِّغ، والمبلَّغ له، ورسالته العظيمة، وبلسانه العربيِّ الذي شرَّفه الله وأحلَّه هذه المكانة العظيمة، حتَّى يتذكَّر أهل هذا الكتاب مكانة هذه اللغة الفريدة التي تحوي سرَّ إعجازه البيانيِّ والدِّلاليِّ، وكأنَّه تذكيرٌ لكلِّ مسلم بأن يعتزَّ بهذه اللغة الراقية الشريفة لعلاقتها الوطيدة بكلام ربِّ العالمين. وكفاها هذا فخرًا وشرفًا، وكفاها سموًّا واعتزازًا.