مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ١٨ولا يمكن منطقيًّا ولا تاريخيًّا أن يعلُوَ شأن أمَّة أو ترتقي حضارتها إلاَّ إذا تربَّى أطفالُها في مناخٍ صحيٍّ سليم. ألم نقل بادئ ذي بدءٍ إنَّ قضية الطفولة دائمًا وأبداً تكتسب الأولوية المطلقة؟»(1).
من هنا كان لابدَّ من أن نبحث عن طريقة تحبِّب للطفل القرآن وتُرغِّبه فيه.
ولكي نتوصَّل إلى طريقة سليمة لابدَّ من أن نتعرَّف على الطفل أولاًّ، وعلى عالمه العجيب الغريب.
لابدَّ أن ندرك منذ البداية «أنَّ هذه الفئة تتميَّز بمستوى عقلي معيَّن، وبإمكانات وقدرات نفسيَّة ووجدانية تختلف عنَّا نحن الكبار، فتجارب الطفولة وخبراتها المحدودة، وآفاقها التخيُّلية واسعة رحبة لا تحدُّها حدود، ولا تحاصرها ضوابط كضوابطنا نحن الكبار.
ووسائلُهم في البحث والتفكير والتحليل والاستيعاب ليست كوسائلنا الناضجة التي اكتسبناها بالمران والتجربة الطويلة والثقافات المتنوِّعة.
ولديهم رغبة جامحة في ارتياد المجهول، والانطلاق عبر الآفاق، وتشكيل عالمٍ خاص يختلف كثيرًا عن عالمنا»(2).
ومعنى ذلك باختصار شديد أن نراعي عوالمهم النفسيَّة، والذهنيَّة، والسلوكيَّة، وأن نتيقَّن أنَّ عوالمهم تختلف اختلافًا بيِّنًا عن عوالمنا. حتى نعاملهم معاملة الرفق والفهم والانسجام، وتلك سنَّة الله في خلقه وهو يراعي تطوُّر البشريَّة. ومن حكمة الله أنَّ الرسالات السماوية سارت هي الأخرى في هذا الطريق قبل أن تصل مرحلة النضج، لأنَّ الأمم نفسها تمرُّ في مراحل تبدأ طفولية ساذجة بسيطة، ثُمَّ تترقَّى في عوالمها النفسية والسلوكية والذهنية شيئًا فشيئًا حتى تصل مرحلة النضج ثُمَّ الشيخوخة.
وأوَّل ما يُلفت النظر في مكوِّنات عالم الطفولة هو الخيال الواسع الذي لا تحدُّه حدود.
(1) - نجيب الكيلاني: أدب الأطفال في ضوء الإسلام. مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ص40.
(2) - المرجع نفسه، ص13.