مع كلام رب العالمين (الجزء الأول) محمد بن صالح ناصر

مع كلام رب العالمين 01

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وبحسِّها الماكر اتَّخذت لها وسائلها المتعدِّدة مستفيدة بكلِّ تجارب السابقين لها، ولا سيما الغزو الثقافي والإعلامي. وتجسَّدت خططها في فئة اختارتها بعناية من أبناء الوطن العربي والإسلامي نفسه وهم «العلمانيون» أو «الحداثيون» أو «الليبراليون» وغيرها من الأسماء التي تتجمَّع كلُّها حول غرضٍ واحد وهو محاربة كل ما يَمُتُّ إلى الدين الإسلاميِّ بصِلَة.

ومن هنا ظهر في العالم العربي بعامَّة والعالم الإسلامي بخاصَّة فئة واسعة من أبناء العالميْن تلامذة نجباء من خرِّيجي جامعات الغرب يرفعون شعار الحداثة، فكان من ألدِّ أعدائهم كلُّ ما يمتُّ بصِلَةٍ إلى التراث الحضاريِّ لغةً ودينًا، وجاء مدخلُهم إلى هذه الساحة عن طريق الأدب، بعد دراسةٍ وتخطيطٍ لأنَّ الأدب بحُكم نزعته العاطفيَّة، وعنايته بالمشاعر يكون الوعاء الضَّامن لحمل تلك الأفكار الهدَّامة دون وعيٍ من القرَّاء.

ولذا كان من أهمِّ ما يقصد إليه الحداثيُّون عند ادِّعائهم التجديدَ النيلُّ من كلِّ لغةٍ شعريَّة تستمدُّ من التراث الإسلامي وتصدُر عن الثقافة القرآنية معتبرين هذه الثقافة قيدًا من القيود التي ينبغي الثورة عليها، وتحطيمها وتجاوزها إلى لغة معاصرة متفتِّحة أخرى، لا تخضع للقيود ولا للقواعد ولا للتقاليد ولا للأعراف ولا للدين ولا لأيَّة سلطة مهما تكن هذه السلطة، وإنَّما هي الحرية المطلقة فلا نعجب حينئذ عندما يقول مُنظِّر هذه المدرسة «أدونيس» «الثقافة العربيَّة الإسلامية هي اليوم بفعل هذه البنية المعرفية فائضٌ من كلام تجريديٍّ غيبي يتحرَّك في معزل عن حركيَّة الواقع، وفائضٌ من الأدوات والأشياء يتحرَّك في معزل عن اللغة»(1).

(1) - أدونيس وآخرون، الإسلام والحداثة، نشر مجلة مواقف، بيروت، لبنان، 1989 ص 12.

٣٦ / ١٥٠