مع كلام رب العالمين 01
الجزء ١ · صفحة ٣٧ومن الواضح الجلي أنَّ هذه الدعوى تقصد من خلال ما تسميه (التفجير اللغوي) إلى تفجير أهمِّ مقوِّم من مقوِّمات الإنسان وهو القرآن الكريم … بصرف المسلمين عنه، وإشغالهم بلغة مشتَّته متفرِّقة، وهي دعوى ـ كما أوضحنا ـ استشراقيَّة معروفة. فهم يعرفون بحسِّهم اللاديني العبثيِّ أنَّ الهدم ينبغي له أن يبدأ من هذا المقوم الأساس … وفي هذا ـ كما يصرِّح أدونيس ـ ما يقتضي الخروج عن مفهوم الواحد التجريديِّ الغيبي إلى مفهوم المتعدِّد الواقعي الملموس، دون هذا الخروج سيظلُّ سائدًا القول بوحدة الأمة، القائمة على وحدة النص، القائمة على وحدة الحقيقة، القائمة على وحدة السلطة، ومثل هذه الوحدة إلغاءٌ للمعرفة وللإنسان في آن(1).
وهكذا يتجلَّى لنا هذا السُّمُّ المُعدُّ بإحكام ودقَّة في معامل تطوَّرت عبر القرون من جاهلية ويهوديَّة، ونصرانيَّة، وإلحادية، وعلمانية، وحداثيَّة. وهدفها جميعًا القضاء على شيءٍ واحد يقال له «لغة القرآن».
دورنا الحضاري، وواجبنا نحو لغة القرآن
كلُّ متتبِّع لتاريخ الحركة الإصلاحية بوادي ميزاب، بداية من الشيخ القطب اطفيش يدرك أنَّ هذه الحركة إنَّما قامت على مقوِّمَين أساسييَّن هما الدين الإسلاميُّ واللغة العربية، والواقع أنَّ هذا الاهتمام ليس وليد اجتهاد من هؤلاء المشايخ الأجلاء بحكم ظروف زمنيَّة معيَّنة وإنَّما هو امتدادٌ لعقيدة رسخت في معتقداتهم من أجدادهم «الشراة» الأوائل الذين كانت ثقافة القرآن أساسًا قويًّا في ثقافتهم الحضارية في جميع مجالات حياتهم.
(1) - لتفاصيل أكثر، يراجع كتابنا، حداثة أم ردة (سلطنة عمان) 1993 ص 33 وما بعدها.